قضايا ودراسات

البرازيل باتجاه اليمين

مفتاح شعيب

جلبت الدورة الثانية من الانتخابات البرازيلية اليميني المتطرف جايير بولسونارو رئيساً للبلاد، في تطور قد يشكل قطيعة مع جيل من الحكام ذوي الميول اليسارية تداولوا السلطة على مدى 33 عاماً في أعقاب إسقاط النظام الديكتاتوري العسكري، وتدشين مرحلة من النهوض الاقتصادي والاجتماعي بلغ أوجه مع الرئيس الأسبق لولا داسيلفا.
البرازيل اليوم تقف على مفترق طرق، وجاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة تأكيداً لخيبة أمل الناس من تعفن الوضع السياسي السابق في سنواته الأخيرة بعد تعدد فضائح الفساد المتعلقة بالنظام اليساري وأساساً بالرئيسة ديلما روسيف ونائبها المحافظ ميشال تامر وغيرهما، وقد اقترنت تلك الفضائح بتدهور نسبي في النمو وتصاعد المشاكل الاقتصادية التي أسفرت عن اضطرابات اجتماعية واسعة وتفشي مظاهر العنف والبطالة والفساد. وما من شك أن الأحزاب اليمينية كانت بالمرصاد لسقطات اليساريين ونجحت في استثمار ذلك بتأليب الرأي العام، وكانت النتيجة أن أصبح بولسونارو رئيساً، ليبدأ عهده بإطلاق جملة من الشعارات «غير المطمئنة» لخصومه وشركائه أيضاً، من قبيل وعده بتغيير النظام الاقتصادي للبلاد باتجاه الخصصة وفتح الأبواب واسعة أمام تغول الرأسمالية، ما يعني الانقلاب على منجزات «نموذج الاقتصاد الاجتماعي» الذي حقق إنجازات كبيرة في السنوات الأخيرة، لولا أن شوهها الفساد. ولكن أي إجراءات للتغيير قد لا تمر بسلام، لأن القوى اليسارية التي خسرت الانتخابات لم تضعف إلى درجة تمكن من التجاسر عليها وغلبتها، فتلك القوى بإمكانها أن تقود تحركات متعددة المستويات للإطاحة بطموحات العهد الجديد، مع الأخذ في الحسبان أيضا الجوار البرازيلي الذي لا يشعر بالطمأنينة وسيعمل على التصدى بمختلف الوسائل لأي تهديدات تستهدف النمط السياسي الغالب في أمريكا اللاتينية.
الرئيس دونالد ترامب كان من أول المهنئين بالنظام الجديد على عكس الدول الأوروبية التي دعته إلى «ترسيخ الديمقراطية»، ولم يخف مراقبون غربيون من أن بولسونارو الذي يطلق عليه «ترامب البرازيل» سيكون تهديداً للديمقراطية وقد ينتج حكمه نوعاً من الديكتاتورية من شأنها أن تؤثر سلباً في المحيط وتجعله قريباً جداً من اليمين المتطرف في أكثر من بلد. كما أن بعض الدول ومنها الولايات المتحدة قد تتخذ من «البرازيل الجديدة» معولاً لهدم مجموعة «بريكس» الاقتصادية، التي تضم الهند والصين وجنوب إفريقيا وروسيا، فإضعاف هذه المجموعة سيحقق رغبة أمريكية في تطويق النفوذين الصيني والروسي المتناميين في الدول اللاتينية.
أغلب الظن أن البرازيل ستحتاج كثيراً من التهدئة السياسية للخروج من أزماتها العديدة، وسيحتاج بولسونارو، الذي ينحدر من أصل إيطالي، وهربت عائلته من النظام الفاشي أثناء الحرب العالمية الثانية، إلى كثير من التدبر في واقع بلاده وفي المحيط الدولي المتقلب، أما محاولة خطف البلاد إلى وجهة أخرى، فسيكون ثمنه باهظاً جداً وقد لا يكون بوسعه أن يدفعه.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى