قضايا ودراسات

نتنياهو ولعبة الانتخابات المبكرة

عوني صادق

تاريخياً كان رؤساء الحكومات «الإسرائيلية» يلجؤون إلى «الانتخابات المبكرة»، استعداداً للدخول في حرب جديدة، حيث يتم تشكيل «حكومة الاتحاد الوطني»، ليتشارك الحزبان الكبيران (العمل والليكود) في تحمّل مسؤوليات وتبعات الحرب، وفي عصر بنيامين نتنياهو أضيفت احتمالات توجيه (لائحة اتهام) بالفساد والرشوة، ومن ثم إزاحة رئيس الوزراء من مكانه، كما هو حاصل مع نتنياهو نفسه، ويعرف المطلعون أن نتنياهو كان له على مدى الحكومات الأربع التي ترأسها منذ 2009 هدف وحيد، يتمثّل في «المحافظة على الوضع القائم»، بما في ذلك بقاؤه على رأس الحكومة.
وبالرغم من قائمة ما تسميه مراكز البحث «الإسرائيلية» وأجهزتها الأمنية «التهديدات الأمنية» التي تواجه دولة الاحتلال، فإن المتابعين يعرفون جيداً أنه لا خطر خارجياً حقيقياً يواجهه، بعد أن نجح في «تبريد» كل الجبهات المحيطة به عبر ما يمكن أن نطلق عليه «توازن الردع»، سواء على «الجبهة الشمالية» أو «الجبهة الجنوبية». وهو لا يزيد عن كونه «لعبة إعلامية» لتقاسم النفوذ في المنطقة، أما الجبهة الفلسطينية التي تظل الأكثر خطراً واشتعالاً، كما يؤكد ذلك خبراء «إسرائيليون»، فإنها تظل بفضل «الانقسام الفلسطيني» منذ صيف 2007 في قبضة السياسة «الإسرائيلية» التي تتلاعب بالأطراف الفلسطينية، وتتحكم بالضفة وتحاصر غزة، التي تظل مآلات الحرب والسلام فيها تعتمد على ما تقرّره حكومة الاحتلال.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن «الانتخابات المبكرة» لعبة تخدم هدف نتنياهو الرئيسي الذي يكمن في «المحافظة على الوضع القائم» للبقاء على رأس الحكومة، لذلك نرى أن موجة الحديث في هذه «اللعبة» تعلو وتهبط حسب ارتفاع وهبوط موجة الانتقادات الموجهة لنتنياهو وسياسته، والمطالبات بإزاحته، التي تشتد حيناً وتضعف حيناً آخر، حسب تطور التحقيقات التي يواجهها في أربع قضايا فساد كبيرة؛ فكلما ارتفعت الموجة واشتدت الانتقادات والمطالبات بالتغيير، لوّح نتنياهو بالإقدام على إجراء انتخابات مبكرة ليطفئ حماسة بعض الشركاء في الائتلاف الحاكم الخائف أن يخسر ما تحت يديه، وليبثّ عوامل النزاع بينها؛ فإذا ما هبطت الموجة وهدأت الانتقادات والمطالبات، عاد نتنياهو إلى طمأنتهم بأنه قد صرف النظر عن إجراء انتخابات مبكرة.
وفي العام الحالي وحده، صعد وهبط الحديث عن «الانتخابات المبكرة» أكثر من مرة، فمنذ يونيو/ حزيران الماضي، افتتحت استطلاعات الرأي باستطلاع أجرته القناة العاشرة التلفزيونية، أظهر أن حزب (الليكود) بزعامة نتنياهو سيحافظ على قوته في أي انتخابات تجري (في ذلك الوقت). وتتابعت الاستطلاعات، واللافت أنها كلّها أعطت الأفضلية لحزب (الليكود)، ولنتنياهو لتشكيل الحكومة، ويتفق زعماء الأحزاب، في اليمين واليسار، أنه «لا بديل لحكم اليمين واليمين المتطرف، كما لا بديل لنتنياهو في رئاسة الوزراء»! مع ذلك، فإن هذا لم يجعل نتنياهو يغفل عن تحصين وضعه من خلال القوانين الجديدة، بل واللجوء لاختلاق «مؤامرات» يحيكها ضد من يعتبرهم منافسين له في (الليكود)، وآخر ما تم في هذين «الميدانين» تمثّل في مشروع قانون يسحب من رئيس الدولة حق اختيار الشخص المكلف بتشكيل الوزارة، وجاء هذا المشروع بعد أن اتهم نتنياهو وأنصاره رئيس الدولة (ريفلين)، والوزير السابق (ساعر) بالتآمر عليه، بهدف إزاحته و«اختطاف الحكومة»، وبعد أن فشل الاتهام في تحقيق أهدافه، أعلن نتنياهو أنه صرف النظر عن إجراء انتخابات مبكرة.
وإذا كان نتنياهو قد وجد في الأوضاع الدولية والإقليمية ما ساعده في الدفاع عن نفسه بإظهار «نجاح سياساته» في تحقيق ما يتطلع إليه من أهداف، فإنه يجد في «نجاحاته العربية» ما يكفيه مؤونة إجراء الانتخابات المبكرة، التي تظل في جعبته جاهزة، إذا ما احتاج إلى العودة إليها في أي وقت يشاء، لكنها تظل «لعبة داخلية» في الأساس، حيث لم يعد ذا أهمية لما كان يسمى «اليسار الإسرائيلي»، و«الاتحاد الوطني» حاصل، والاتفاق على الأهداف الصهيونية في الاستيطان والتوسع متفق عليها بين كل الأحزاب.

awni.sadiq@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى