قضايا ودراسات

تأثير الانسحاب من معاهدة القوى النووية

د. باتريشيا لويس*

على الرغم من أن «معاهدة القوى النووية متوسطة المدى» (INF)، اتفاقية ثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا، فإن التهديد الأخير من الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاقية القائمة منذ زمن طويل، والناجحة للغاية، ليس قضية ينبغي البتُّ فيها بين البلدين فقط.
إننا جميعاً نتأثر بالعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، في صعودها وهبوطها. وحوارهما الأمني مناقشة أمنية عالمية. فأنظمة الأسلحة النووية الأمريكية جزء من أنظمة أسلحة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واتفاقيات الحدّ من الأسلحة النووية بين الدولتين تؤثر في كل شخص في العالم. والأهمّ من ذلك، أن أي استخدام للأسلحة النووية ينجُم عن نزاع بينهما، ستكون له تأثيرات مدمرة في الكوكب برمّته. كلّ بلد، وكل شخص، عرضة للخطر جرّاءَ ذلك.
ومن المهمّ فهم أهمية معاهدة القوى النووية متوسطة المدى. في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وفي أعقاب أخطر سنوات الحرب الباردة، بدأ الزعيمان الأمريكي والسوفييتي، رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف، في تغيير العلاقات المسمومة، المدمرة بين بلديهما، من خلال اتفاقيات جديدة للحدّ من الأسلحة.
كانت معاهدة القوى النووية متوسطة المدى رائدة فعلاً. فقد قضت على فئة كاملة من الأسلحة النووية، بما في ذلك صواريخ اس اس- 20 السوفييتية، وصواريخ كروز الأمريكية التي تطلق من البرّ، وصواريخ بيرشينغ II البالستية. وتمّ حظر جميع أنظمة الصواريخ التي يتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر.
وكانت المعاهدة أيضاً، الأولى في إجراءات التحقق الصارمة التي نصّت عليها، لضمان تدمير كل سلاح في هذه الفئة، جنباً إلى جنب مع جميع صواريخ التدريب ذات الصلة بالقوى النووية متوسطة المدى، ومنصات الصواريخ، وقنابل الإطلاق، وقاذفات الصواريخ، وعدم إنتاج أيٍّ من هذه الصواريخ بعد ذلك الوقت أو اختبار إطلاقها. وبحلول منتصف عام 1991، كانت الولايات المتحدة وروسيا قد دمَّرَتا 2692 صاروخاً متوسط المدى، بموجب شروط الاتفاق.
وفي أعقاب سَرَيان المعاهدة في عام 1988، بالإضافة إلى الرصد المعتاد بواسطة الأقمار الصناعية، بدأ المفتشون من كلا الجانبين تطبيق مجموعة من عمليات التفتيش الاقتحامية غير العادية للمواقع، بما في ذلك حضور ومشاهدة تدمير الصواريخ وقاذفاتها، والقيام بعمليات تفتيش بعد وقت قصير من الإبلاغ عنها، ومراقبة البوابات والمخارج والمحيط، لاثنين من مصانع إنتاج الصواريخ- واحد في (بلدة) فوتكينسْك الروسية، وواحد في ولاية يوتا الأمريكية. وقد استمرت عمليات التفتيش لأكثر من عقد من الزمن- وانتهت عام 2001- وشكّلت الأساس لمزيد من معاهدات الصواريخ النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا.
ولكن التيار السياسي في الولايات المتحدة وروسيا، انقلب على الحدّ من الأسلحة في ما يبدو. في عام 2000، بدأ الرئيس فلاديمير بوتين، وغيره من كبار المسؤولين الروس، بالتهديد بالتخلي عن معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، قائلين إنها أحد «مخلفات الحرب الباردة»، التي تحدّ من قدرة روسيا على تطوير أسلحة نووية جديدة، وأن الاتفاق يحتاج إلى إيضاحات تقنية ليتماشى مع التطورات الجديدة منذ عام 1987.
وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، ظلت الولايات المتحدة تطالب روسيا بدفع حدود معاهدة القوى النووية متوسطة المدى إلى عدم الامتثال. وتدعي الولايات المتحدة أن روسيا تقوم بتطوير نظام صواريخ كروز تطلق من الأرض، بمدى أكبر ممّا تسمح به معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، وفي عام 2017، أعلنت إدارة ترامب أن روسيا كانت قد بدأت النشر. وتنكر روسيا الادعاء، وتشير إلى انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية، ونشر نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي، كدليل على أن الولايات المتحدة تنتهك معاهدة القوى النووية متوسطة المدى من جانبها.
ومستشار الأمن القومي لدى الرئيس دونالد ترامب، جون بولتون، مشهور بازدرائه لمعاهدات الحدّ من الأسلحة. فقبل تسلمه زمام منصبه، اقترح أن تنسحب الولايات المتحدة من المعاهدة- وكان في فترة توليه منصبه، أن انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية، ومن المفاوضات الرامية إلى تعزيز اتفاقية الأسلحة البيولوجية، كما أنه سيسحب الولايات المتحدة من اتفاقية ستارت الجديدة، التي خفضت الأسلحة النووية الأمريكية والروسية الاستراتيجية طويلة المدى.
إذا سقطت معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، فقد تكون معاهدة ستارت الجديدة، هي التالية. ثم ماذا؟
إن سيادة القانون على الساحة الدولية، تحتاج إلى الدعم والتأييد من قِبل الجميع. وهذا في الواقع ما تفعله معظم الدول. وقد انضمّت معظم الدول إلى المعاهدات الدولية التي تقيّد السلوك في ما يتعلق بالأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية. ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية متعددة الأطراف تقترب من العام الخمسين من سرَيانها، وقد طالبت اتفاقية الأسلحة الكيميائية بتوضيحات من سوريا وروسيا في الآونة الأخيرة، وتمّ التفاوض في الأمم المتحدة على معاهدة جديدة لحظر الأسلحة النووية في العام الماضي.
إن المطلوب في الوقت الحالي، أن يقوم حلفاء الولايات المتحدة، ومَن يملكون التأثير في روسيا، بتذكير هاتين القوتين العسكريتيْن المدجّجتيْن بالسلاح، بأن هذه القرارات تؤثر فينا جميعاً، وأن سيادة القانون مطلوبة لتهدئة عالَم ما فتئ يزداد اضطراباً.

* مديرة البحوث في الأمن الدولي، في المعهد الملكي (البريطاني) للشؤون الدولية (تشاتام هاوْس). موقع: «تشاتام هاوس».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى