قضايا ودراسات

في وداع المستشارة

فيصل عابدون

جاء قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باعتزال العمل السياسي متسقاً تماماً مع المبادئ الأساسية للديمقراطية والمتعلقة بضمان الانتقال السلمي الطوعي للسلطة بين الكيانات السياسية والأفراد داخل الحزب الواحد. لكن القرار شكل صدمة وسط الطبقة السياسية في أوروبا على نحو خاص وعلى مستوى الطبقات الشعبية في دول العالم. فقد كان حضور هذه المرأة الأكثر إثارة للجدل، كثيفاً وفاعلاً وبالغ التأثير إلى درجة يصعب معها تصور غيابه من دون أن يخلف فراغاً واسعاً وحالة من عدم اليقين. وقد أثار القرار بالفعل موجات متباينة من الحزن والغبطة والذهول أحياناً، على كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية.
مارست ميركل الزعامة وسط مناخات دولية ملغومة وعاصفة واتخذت قرارات جريئة خاطرت فيها ليس فقط بشعبيتها في الداخل الألماني ولكن حتى على مستوى القارة الأوروبية التي تعتبر ألمانيا حجر الزاوية في مسيرتها الوحدوية. برزت نجوميتها وسط أحلك الظروف وفي أصعب المواقف.
فاجأت المستشارة الألمانية العالم عندما فتحت حدود بلادها لجميع اللاجئين بعيد اشتداد أزمة المهاجرين الهاربين من الحروب والمجاعة نحو أوروبا، ومقتل الآلاف منهم في البحر الأبيض المتوسط. واتخذت المعارضة اليمينية هذا الموقف النبيل منصة للهجوم عليها والنيل من قيادتها. كما واجهت تضعضع الحلفاء الأوروبيين في قضية قبول اللاجئين لكنها تمسكت بموقفها ومضت قدماً في سياستها وفرضت على دول الاتحاد الأوروبي مبدأ الحصص في إيواء اللاجئين. وكان هذا الموقف السياسي الأخلاقي يؤهلها لنيل جائزة نوبل للسلام.
أطلقت الصحافة العالمية العديد من الألقاب على ميركل من بينها السيدة الحديدية، لمواقفها الصارمة ومنهجها العلمي الجاف مقارنة بالعمل السياسي التقليدي، كما أطلق عليها الألمان لقب «الأم»، لما يجدون فيها من عاطفة وتفاعل مع حاجياتهم الاجتماعية.
وصنفتها مجلة «فوربس» الأمريكية أقوى امرأة في العالم نظراً لبقائها في الحكم مدة طويلة ولنجاحها الاقتصادي الباهر وصمود ألمانيا أمام الأزمة الاقتصادية العالمية، التي أصابت أغلب دول أوروبا بالركود، وكادت أن تودي بأخرى إلى الإفلاس.
كما اختارتها مجلة «تايم» شخصية العام 2015. وكتبت مديرة تحرير المجلة أن اختيارها جاء: «بسبب طلبها من بلدها أكثر مما تجرأ عليه معظم الساسة وبسبب وقوفها بحزم ضد الاستبداد… وتقديمها نموذجاً راسخاً للقيادة الأخلاقية في عالم قلت فيه تلك القيم».
ومما لاشك فيه أن المشهد الدولي سيختلف كثيراً مع غياب ميركل فهي من نوع القيادات التي تترك بصمتها في التاريخ السياسي والإنساني ويصعب تعويض غيابها لسنوات طويلة. وربما يكون انسحاب المستشارة الألمانية تأثر بدرجة أو بأخرى بالنتائج المخيبة للانتخابات المحلية الأخيرة بولايتي بوفاريا وهيسن، إلا أن مزاعم التيار اليميني المتطرف بشأن انهيار شعبيتها ليس صحيحاً ولا تسنده إحصاءات موثوقة.
فالخسارة الجانبية في انتخابات المحليات ليست سبباً لمغادرة المسرح والانزواء، كما أن ميركل ليست من نوع الزعماء الذين يتوارون في مواجهات التحديات الكبيرة مثل بروز اليمين المتطرف وهيمنته على مقاليد السلطة. لقد اختارت المرأة الحديدية الاعتزال الطوعي وهي في قمة شعبيتها وقدرتها على الاستمرار، تعبيراً عن التزامها بالمبادئ الديمقراطية، رغم ما يحمله قرارها من غياب الكثير من الحكمة عن عالم السياسة.
Shiraz982003@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى