قضايا ودراسات

«مركزي» مفتقر المضمون

علي قباجه

خرج المجلس المركزي؛ التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية بمجموعة قرارات مهمة في «ظاهرها»، ومفتقدة لأي مضمون في «باطنها»، مع تكرار المجلس للديباجة نفسها، التي دأب عليها منذ سنوات، أي دون إخضاع قراراته للتنفيذ؛ بل إنه يحيلها للجان للعمل بها؛ لكن هذه اللجان تفتقد إلى الحيوية والجدية في القيام بأي شيء مما أوصى به المركزي؛ إذاً المجلس وضع نفسه ليكون «ظاهرة صوتية» لا أكثر، لانتقاد الاحتلال والتهديد والوعيد دون أدوات أو حرص على التنفيذ.
اجتماعات عدة عقدت، وكانت حبراً على ورق، فهي لم تكن حاسمة أبداً في القضايا الأساسية، وردات فعلها لم تكن بالمستوى المطلوب في ظل المتغيرات الكبرى والطارئة على الساحة الفلسطينية، بدءاً من الموقف الأمريكي المساند للاحتلال، ومروراً بإجراءات «إسرائيل» التهويدية وتصعيدها ضد الفلسطينيين؛ بل إن من شأن هكذا اجتماعات إضاعة الوقت، وتسكين الشعب الفلسطيني بقرارات ثورية؛ لكن دون أن يكون لها أي وجود على أرض الواقع.
وافتقد الاجتماع أيضاً إلى توافق فصائلي؛ حيث إن قوى منظمة التحرير، باستثناء حركة «فتح» والقوى الإسلامية والوطنية، رفضت انعقاد المجلس، ومع هذا الرفض فإن الإصرار على انعقاده ثغرة كبرى؛ إذ إنه لم يحظ بأي توافق فلسطيني، وهذا من شأنه أن يُعمق الهوة بين أطراف الشعب، وأيضاً القرارات التي ستتمخض عنه تأخذ طابع الفردية، كما أنه يفتقر للشرعية الفصائلية المهمة.
القرارات التي خرج بها المجلس؛ من تعليق الاعتراف ب«إسرائيل»، ووقف التنسيق الأمني معها، هي مطالب شعبية فلسطينية بلا شك، في ظل هذا الوضع المتردي، إلا أن فلسطين في هذه المرحلة بحاجة إلى اتخاذ إجراءات مهمة، على كل الصعد؛ لأنها تواجه حرباً ضروساً من كل حدب وصوب؛ لذا تم الاعتراض على قرارات المجلس؛ لأنها كانت تكراراً لقرارات مماثلة صدرت في السنوات السابقة، وليس هذا فقط؛ بل إن التنسيق الأمني كان على أشده، واللقاءات بين قادة في السلطة والاحتلال عقدت وبأعلى المستويات. فالشعب الفلسطيني اليوم يفتقر إلى الثقة بالمنظمة والسلطة المنبثقة عنها.
منظمة متهلهلة رثة، وسلطة مفتقرة لإرادتها، هكذا يمكننا وصف مؤسسات القرار الفلسطيني الضعيفة، وللخروج من هذه الحالة، من المفترض الالتفات إلى الذات، والبدء في البناء البنّاء لمؤسسات صنع القرار؛ وذلك بمشاركة فصائلية وشعبية، وعدم التفرد بالسلطة لمصلحة لون واحد؛ لأن هذا من شأنه أن يحطم مشروعية القضية ويشوهها لسنوات قادمة، ولنا بالسنوات العجاف الماضية خير مثال.
من الضرورة بمكان التفات قادة المنظمة إلى الآراء المخالفة، والاقتناع بفشل النهج، الذي يسيرون عليه، والعمل على صياغة رؤية توافقية؛ لإدارة البيت الفلسطيني، ورؤية وطنية مقاومة للتصدي ل«إسرائيل» وداعميها، الذين يمدونها بأسباب الحياة. فمواجهة أعداء فلسطين لا يمكن أن تتم بوضع داخلي مترهل ومنقسم، أو بقيادة منفردة بالقرار، فلا بد من الاحتكام للمنطق، وعقد مؤتمر فلسطيني جامع، ومن ثم صياغة برنامج يؤسس لمرحلة جديدة يرفع مكانة فلسطين، ويقاوم الاحتلال، وهذا ممكن التحقق إن توفرت إرادة حقيقية لذلك؛ لكن إن استمرت الحالة الفلسطينية على ما هي عليه، فإن القضية تسير نحو المجهول.

aliqabajah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى