قضايا ودراسات

حدسنا هو الدليل

د. حسن مدن

قبل أيام هاتفتني صديقة لتخبرني، مفزوعةً، بحلم تراءى لها في المنام؛ حيث رأت صديقة لها متوفاة تزورهم في بيتهم أثناء جلسة عائلية، وسط دهشة الجالسين من رؤية المرأة تدخل عليهم، هم الذين يعرفون أنها ميتة. جلست المرأة بجانب الصديقة التي هاتفتني، قبل أن تهمس في أذنها أنها تريد الانفراد بها لتحدثها في أمرٍ خاص. أثار هذا الطلب فزع المرأة، فاعتذرت لها عن فكرة أن تنفرد بها، طالبة منها أن تخبرها بما تريد وهما جالستان حيثما هما.
قالت المرأة المتوفاة «الزائرة» للصديقة: أردت إخبارك بأنك ستموتين قريباً! سألتني صديقتي بفزع: ما رأيك؟ هل تصدق الرؤيا وأموت قريباً فعلاً؟
كان ردي على الصديقة نابعاً من شعور عميق بأن هذا لن يحدث طبعاً، وفي هذا كنت متأثراً بقناعة زرعتها في نفسي أمي رحمها الله مذ كنت طفلاً، فكنت حين أحدثها صباح اليوم التالي عن حلم مفزع رأيته في الليلة السابقة وأنا في حال من الخوف، تطمئنني بأن شيئاً من الذي رأيته في الحلم لن يحدث، وأن شراً لن يصيبني، وتقدم لي تفسيراً مضاداً تماماً لما رأيته. كانت تقول: علينا أن نفسر الأحلام بعكسها.
وأذكر أني كنت أقول لها: وإذا رأيت حلماً سعيداً وجميلاً في الحلم، فهل هذا يعني أنه سيحدث لي العكس في الواقع؟ وكمن بوغت بالسؤال، كما يباغت الكبار عادة بأسئلة غير متوقعة من أطفالهم، كانت تقابلني بضحكة، مجيبة: أنا أتحدث فقط عن الأحلام السيئة، فهي التي يحدث لنا نقيضها في الحياة، أما الأحلام الجميلة فلا ينطبق عليها ذلك. كانت شحنة الطمأنينة التي تبثها في روحي وهي تتحدث كافية لتجعلني أصدق كل ما تقول، وما زلت على هذا الشعور حتى اللحظة، فأنا والحمد لله ما زلت بخير، وشيء من فزع ما رأيته من أحلام لم ينلني.
مسكوناً بهذا الشعور ومحمولاً عليه قلت لصديقتي المتصلة: لا تأخذي الأمر على محمل الجد. ستعيشين طويلاً ومديداً، وتفرحين ليس فقط بأولادك، وإنما أيضاً بأحفادك.
هناك من احترفوا تفسير الأحلام، وأن الناس تقصد هؤلاء ليفسروا لهم أحلامهم مقابل أموال ليست قليلة. كل شيء في هذه الدنيا قابل لأن يتحول إلى «بزنس». شخصياً لا آخذ الأمر بما يضفى عليه من جدية ليست له. أعتقد أن حدسنا الصافي هو الدليل الذي إليه نركن، وهو أقوى بصيرة من كل المفسرين.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى