قضايا ودراسات

علاقة السلطتين السياسية والعسكرية في الغرب

الحسين الزاوي

إن الحديث عن علاقة السلطة السياسية أو المدنية بالسلطة العسكرية، عادة ما يجعلنا نركز في المرحلة الراهنة على أشكال ممارسة الحكم في دول العالم الثالث، ولاسيما في الدول العربية والإسلامية؛ نظراً للدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات العسكرية بهذه الدول في الفضاء العمومي بشكل عام، وفي فضاء ممارسة السلطة بشكل خاص.
ويدفعنا مثل هذا التركيز، إلى إغفال الحديث عن التوترات التي تحدث في الدول الغربية الكبرى بين السلطتين العسكرية والمدنية؛ نتيجة الاعتقاد الشائع الذي يفيد بأن مبدأ الفصل ما بين السلطات في المجتمعات الديمقراطية، يجعل السلطة العسكرية تابعة بطريقة تلقائية لسلطة المؤسسات المنتخبة، وكثيراً ما يقودنا مثل هذا الاعتقاد، إلى التعامل مع مثل هذه التبعية المفترضة، وكأنها مسألة بديهية ولا يستدعي الأمر طرحها على طاولة النقاش.
وتتطلب منا مُدارسة هذا الموضوع الشائك، استحضار كثير من الأبحاث المتعلقة بعلم الاجتماع السياسي، التي ركزت على دراسة مسألة عسكرة المجتمع في دول مثل ألمانيا واليابان في مرحلة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، بهدف إبراز ما نجم عن هذه الظاهرة من مآسٍ وكوارث، دفعت الكثير من المنظرين إلى الدفاع عن أطروحة الجيوش الاحترافية الخاضعة كلية لأوامر المؤسسات المدنية. وفي هذا السياق، أكد صامويل هنتنجتون أن خضوع السلطة العسكرية للسلطة السياسية، يمثل عنصراً مركزياً في مسألة احترافية الكوادر العسكرية، وأكد أن وضع آليات مراقبة موضوعية للقوات المسلحة المُحترِمة لمجال اختصاصها الأصلي، يعد الوسيلة المثلى لضمان توازن حقيقي في علاقتها بالحكومات المدنية، بيد أن هذه النظرة المتفائلة التي بشّر بها هذا المفكر الأمريكي، لا تعكس بأي حال من الأحوال الأوضاع التي آلت إليها علاقة المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة الأمريكية، بالنخبة السياسية الحاكمة في واشنطن.
ومن الواضح أن وجود الديمقراطية التمثيلية في أي مجتمع من المجتمعات، لا يعني بالضرورة عدم تأثرها بموازين القوة داخل المؤسسات السيادية للدول، فالبرلمانات الغربية على سبيل المثال، تجد حرجاً كبيراً في الدخول في صراع مع المؤسسات العسكرية، وغالباً ما تعجز عن اتخاذ قرارات جريئة بشأن تقليص ميزانية الدفاع، مخافة أن تُتهم بتعريض أمن البلاد للخطر، وقد سبق لألمانيا الغربية مثلاً، أن فشلت في إخضاع العسكريين للمحاسبة البرلمانية.
كما وجد الرئيس الفرنسي ماكرون، نفسه مضطراً، خلال السنة الماضية، لتقديم مبالغ مالية جرى اقتطاعها من ميزانية القطاعات المدنية، لصالح المؤسسة العسكرية، بعد أن قدم قائد الأركان بيير دوفيليي استقالته رداً على قرار رئيس الجمهورية بتقليص ميزانية الجيش. وقد علق بعض السياسيين الفرنسيين على ما حدث بقوله، إن الرئاسة الفرنسية قلّصت الميزانية العسكرية باليمين وأعادتها بالشمال.
وبإمكاننا أن نلاحظ في هذا السياق، أن الولايات المتحدة هي الدولة الغربية الأبرز، التي تُشكل فيها العلاقة ما بين المدني والعسكري تحدياً بالنسبة للباحثين، حيث إن الديمقراطية المباشرة التي نجدها داخل الولايات الخمسين المشكلة للدولة الأمريكية، تُعطي انطباعاً مضللاً بأن السلطة العسكرية لا دخل لها في تسيير الشؤون المدنية، وعندما نمعن النظر بشكل أكثر عمقاً، نجد أن السلطة العسكرية التي يقودها المجمع الصناعي العسكري في واشنطن، تنفرد بتسيير وإدارة مجمل القضايا الاستراتيجية الكبرى للدولة الفيدرالية.
فقد فشلت المؤسسات المنتخبة ومنها المؤسسة التنفيذية بالبيت الأبيض، في تمرير الكثير من القرارات المصيرية التي تتعارض مع رغبة المجمع الصناعي العسكري الذي يمتلك أذرعاً قوية داخل السلطتين التشريعية والقضائية، بشكل بات يطرح تساؤلات جدية بشأن طبيعة النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالتالي، فإنه من الأهمية بمكان أن نعيد النظر في الأحكام التي دأبنا على إطلاقها بشأن طبيعة العلاقة بين السلطتين المدنية والعسكرية، في الدول التي يقال إنها تمتلك «ثقافة سياسية ناضجة» مثل بريطانيا وسويسرا، ومجموعة الدول الإسكندنافية؛ لأن رهانات السلطة والقوة داخل هذه الدول ليست متماثلة. فالمؤسسة العسكرية في بريطانيا مثلاً، تستمد قوتها من المؤسسة الملكية العريقة، ويعطي مظهر حياد المؤسسة الملكية بالنسبة للشؤون السياسية، انطباعاً زائفاً بأن المؤسسة العسكرية القوية بعدتها وعتادها، لا دخل لها إطلاقاً في السياسة.
أما بالنسبة للدول الأخرى، فإن جغرافيتها وحجم سكانها، وطبيعة النظام السياسي السائد فيها، يجعل الرهان العسكري لديها هامشياً ولا يعبِّر بالضرورة عن وجود خضوع مطلق للسلطة العسكرية للسلطة المدنية.
نستطيع القول في السياق نفسه، إن اختلال العلاقة بين السلطتين المدنية والعسكرية، أسبابه عديدة ومعقدة، لعل أبرزها كون السلطة المدنية ليست منسجمة دائماً، وكثيراً ما تعمل بعض مكوناتها داخل الديمقراطيات الغربية، من أجل خدمة مصالح السلطة العسكرية؛ نتيجة لعلاقات القوة السائدة داخل مؤسسات الدولة.
وعلينا أن نحذر في كل الأحوال، من مقاربة العلاقة ما بين السلطتين انطلاقاً من التصورات النمطية التي نملكها بشأن العلاقة نفسها داخل دول العالم الثالث، التي لا تمتلك تقاليد راسخة فيما يتعلق بممارسة الحكم؛ لأن البون الشاسع الذي نجده على مستوى الثقافة السياسية، يجعل تدخل السلطة العسكرية في الشؤون المدنية في دول الجنوب، يتخذ شكلاً عنيفاً ومباشراً يصل إلى حد الانقلابات العسكرية.

hzaoui63@yahoo.fr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى