قضايا ودراسات

من يرمي لبنان في الفراغ ؟

د. نسيم الخوري

أين يقود هذا الافتراق والتنازع والتجاذب وتقاذف المسؤوليات في لبنان والدوران كأحجار المطاحن الخاوية من فراغ إلى آخر ومن طائفة إلى أخرى ومن حزب إلى آخر، وآخره همّ تشكيل حكومة لبنانية يمكن وصفها بحكومة إنقاذ أو حكومة توافق أو تنابذ أو حكومة من دون محكومين؟
لا جواب مقنع. اللبنانيون محكومون بوطنٍ باهت، يتسطّح للفقر والجريمة واليأس والهروب، وحكّام الحروب والسلم المفروض في وادٍ آخر، مسكونون بشهوات المكاسب والمناصب والحصص، والمصالح، يتشاجرون في قاعة بيزنطية وحيدين، وكأنهم في ساحة أو وطنٍ بلا دستور وبلا شعبٍ وأرض.
كيف ننتشل لبنان من هذا الانتظار المعيب؟
أجابني مسؤول فرنسي في باريس قبل الإقلاع نحو البلاهة السياسية في بيروت: «المسؤولية تقع على كاهل الموارنة تحديداً، وقد عادوا إلى الانقسام الخطير. فليصغوا إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بلملمة الأوضاع وإعلان الحكومة قبل هبوب الرياح. أدمنتم الفراغ بين نصيحة وأخرى وضياع وآخر بين الأقاليم والدول. الخشية أن يصبح وطنكم بلداً مرمياً في الفراغ. أمسكت فرنسا بيدكم اليمنى، كما يمسك الأهل بأصابع صغارهم كي يحسنوا رسم الخطوط والكتابة المستقيمة، بهدف ممارسة الحكم وترسيخه وفق الثالوث الفرنسي، الحريّة والمساواة والإخاء المحفور فوق جدران فرنسا وفي الصدور، لكنّ المسيحيين في لبنان وتجديداً وتحديداً الموارنة الذين حكموا لبنان نصف قرن من ال 1943 إلى ال 1992، تفرّقوا وتشظّوا وتقاتلوا وعادوا يتفرّقون ويتشظّون. أضاعوا سلطاتهم برمّتها، وقد يضيّعون سلطاتهم الرمزية المتبقّية».
«مرمي في الفراغ»؟
وأمامي في باريس النازحون والمتسوّلون العرب والمسلمون، والأوروبيون الشرقيون يفترشون أرصفتها ومحطّات المترو فيها. وقد تلتقي لبنانياً هنا يلعن صعوبة حصوله على تأشيرة دخول طويلة إلى فرنسا. صدقاً، بدت العاصمة الأنيقة باريس قلقة، الصورة مهتزّة مربكة بتحولاتها ومستقبلها المنزلق بين أصابع أهلها، بالرغم من مكابرة رئيسها بتطبيق ال «Reforme» أي الإصلاح الذي يبدو فوق غربال.
«مرمي في الفراغ»؟
كلمة مرعبة يمكن أن تجدها في ملامح أيّ لبناني مقيم ومهاجر ولأيّ طائفة انتمى. يمكن التذكير بأنّ انتقال شعور القهر والغبن التاريخي في حكم لبنان من المسلمين إلى المسيحيين غير مبرّر، وقد انتهى مع نهاية الحروب. والسبب أنّ اتّفاق الطائف الذي نسج محلياً وإقليمياً ودولياً ومهر بخاتم الأمم المتحدة، أخرج لبنان نهائياً من الصراعات والحروب بين المسلمين والمسيحيين.
لماذا الموارنة إذن؟
أعود في الجواب إلى البابا يوحنا بولس الثاني الذي اختار منذ عقد، النافذة اللبنانية من بين 12 ألف نافذة تزدان بها جدران الفاتيكان، داعياً في إرشاده الرسولي إلى التئام الجروح بين المسيحيين في لبنان نهائياً، بعدما التأمت نهائياً بينهم وبين المسلمين. وتقفّى خطى القديس بولس نحو دمشق ولم يرافقه الموارنة، ولم ينصاعوا لإرشاده، ولم تكن الدماء قد يبست في جروحهم العونية – القواتية.
وأعود إلى الفاتيكان، البقعة الوحيدة المحايدة في العالم في الحرب العالمية، عندما هدّد ستالين البابا بيوس 11 لأنّه يهادن هتلر، بعث إليه بنصيحة تقول: إنسَ العمارة الشيوعية فوق خريطة العالم.
ليس الفاتيكان يداً ممدودة يتسابق المؤمنون لتقبيل خاتم يبرق في بنصرها. اختار النافذة اللبنانية نفسها ليطلّ منها على جروح المسيحيين، معلناً الشهادة والشراكة مع المسلمين، موقّعاً إرشاده في خرط مستقبل المسيحيين في دول المنطقة، موصياً بالحوار. جاء من دولة ال 44 هكتاراً من الأرض، تتّصل بها خطوط السياسة العالمية كلّها.
وأخيراً..بعدما استعاد وعيه، سأل مريضٌ المسعفين في سيّارة الإسعاف:
إلى أين أنتم ذاهبون بي؟
قالوا إلى مستودع للجثث.
قال: لكنني لم أمت بعد.
قالوا: ولكننا لم نصل بعد.
أخاف أن ينسحب هذا المثل القاسي على مستقبل المسيحيين ولبنان والموارنة، المترنّح بين الموت والحياة بملفّاتهم التي لا تعني أحداً في عصر تداعيات الثورات المتعددة الفصول، ومنها الجواب الإسلامي الذي يقرع باب الغرب، جواباً على السؤال الأمريكي الذي طرحه جورج دبليو بوش Why they hate us؟ أي لماذا يكرهوننا؟..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى