قضايا ودراسات

الإمارات واستكشاف الفضاء

محمد خليفة

لن تتوقف مسيرة التنمية والتحديث في دولة الإمارات طالما كانت تحت قيادة طموحة تستشرف المستقبل، وتمتلك رؤية طموحة لدولة تسعى لمنافسة الكبار. قادة لديهم همة الشباب، وحكمة الشيوخ، وأحلام المبدعين.
إن خطة التنمية في دولتنا الرائدة تمضي وفق خطط منهجية، تلبي حاجات الواقع، وآمال المستقبل، تهدف لتأسيس صناعات وطنية ترفد الاقتصاد، وتشكّل منطلقاً لتحوّل كبير يجعل من الإمارات دولة صناعية متقدمة. وقد لمسنا هذا جلياً في تجمعات صناعية ضخمة، في مختلف مناطق الدولة، تسهم بنصيب كبير في زيادة الناتج القومي للدولة، ويذهب الفائض عن الاستهلاك المحلي إلى أسواق التصدير.
وليس بعيداً عن هذا النشاط الاقتصادي ما تقوم به الدولة من أبحاث في مجال الفضاء والتكنولوجيا المتقدمة، بل كان هناك توجه كبير من قيادتنا لاستشراف المستقبل والتعمّق في هذا الميدان البكر، لذا عمدت إلى صقل المواهب الوطنية من أجل النهوض بمشروع فضائي وطني.
في عام 2006، دشنت حكومة دبي مؤسسة الإمارات للبحوث العلمية الأساسية «اياست». وقد جاء إنشاء المؤسسة وفق رؤية ثاقبة لأن تصبح من أبرز المعاهد العلمية والتقنية المرموقة عالمياً. وتتركز مهمّة هذه المؤسسة في إجراء البحوث وتطوير تقنيات الطاقة المتجدّدة والبديلة، وتقديم الدعم التقني في تخطيط سياسات الطاقة، وتنفيذ أبحاث انتقائية في تقنية «النانو» Nano
وتطبيقاتها في قطاع الطاقة. وتبشر هذه المبادرة الثانوية من قبل «اياست» بلعب دور رئيسي في التأثير في خطط التنمية المستدامة في دولة الإمارات العربية المتحدة مستقبلاً. وقد سعت «اياست» إلى تأسيس علاقات تعاون دولية، ومشاريع مشتركة مع عدة منظمات لتحقيق خططها المستقبلية الطموحة. ومن ضمن إنجازاتها، بحث وتطوير القمر الصناعي المحلي «دبي سات1»، الذي تم إطلاقه إلى الفضاء في 29 يوليو عام 2009، من قاعدة بايكنور في كازاخستان، بإشراف مجموعة من المهندسين والعلماء الإماراتيين الذين شاركوا في بناء وإعداد 30 بالمائة من هذا المشروع النوعي. ويعد «دبي سات1» أول قمر صناعي للاستشعار عن بعد بتمويل حكومي من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتقوم بتشغيله والإشراف عليه مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة، وهو يحمل كاميرات تصوير جوي فائقة الدقة والوضوح هي ثمرة تعاون بين علماء إماراتيين وآخرين من كوريا الجنوبية. وسوف تُستغل هذه الكاميرات في التخطيط العمراني، والتنبؤ بالأخطار الطبيعية المحتملة كالزلازل، وانخفاض مناسيب المياه الأرضية في مواقع المشاريع العمرانية الضخمة. ومن ثم تم إطلاق «دبي سات2»، بنجاح في 21 نوفمبر 2013، وهو الآن في مداره المتزامن مع الشمس بارتفاع 600 كلم، و«دبي سات 2» هو القمر الصناعي الثاني الذي نجحت مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة في تصميمه وبنائه وإطلاقه. وتمتلك المؤسسة «دبي سات 2» بالكامل؛ ما يسلط الضوء على التقدم الذي تحرزه دولة الإمارات العربية المتحدة على مسار اكتساب الريادة في تقنية الفضاء. وبفضل تطوير هذا القمر الصناعي لمراقبة الأرض تكون الإمارات ولأول مرة امتلكت الملكية الفكرية لتقنية خاصة بالفضاء، ويشكل ذلك إنجازاً وطنياً آخرَ. واستناداً إلى النجاح المحقق في «دبي سات1» ونشر برنامج نقل المعرفة، شارك مهندسو الإمارات في 70% من إجمالي عمليات تصميم وبناء «دبي سات 2»، وكانت هناك بعض المهام التي أنجزت بالكامل على يد الفريق الإماراتي العامل من دبي وكوريا الجنوبية.
و«دبي سات2» هو نظام قمر صناعي للمراقبة البصرية الإلكترونية للأرض، مزود بعدسة تصل نسبة وضوح تصويرها إلى متر واحد. فهذه الصناعات كانت حكراً على الدول الكبرى لما تحتاج إليه من خبرات كبيرة وموارد اقتصادية ضخمة، لكن، بفضل السياسة الحكيمة للقيادة الرشيدة، فقد تم بناء اقتصاد قوي ومتنوع، كما تم تأهيل كوادر وطنية قادرة على النهوض بالمشاريع العلمية الكبيرة وإدارتها بكفاءة عالية.
وفي التاسع والعشرين من شهر أكتوبر شهد العالم انطلاق «خليفة سات» أول قمر صناعي صُنع محلياً، وبأيادٍ إماراتية خالصة، ويعتبر أيقونة تقنية متطورة؛ إذ إنه يتفرد بأنه يمتلك خمس براءات اختراع، كما أنه أول قمر صناعي يطور داخل الغرف النظيفة في مختبرات تقنيات الفضاء في مركز محمد بن راشد للفضاء. ومن المتوقع أن يرفع نجاح تجربة «خليفة سات»، سقف الطموحات في تحول الإمارات مركزاً إقليمياً لمشاريع الفضاء وبحوثها.
إن انطلاق المركبة الفضائية إلى المريخ في عام 2021 سيكون إعلاناً لبدء العصر الفضائي في الإمارات، وهو ما سيكون له نتائج مبهرة على صعيد المنطقة والعالم، كما سيشكل ميداناً جديداً لبزوغ طاقات إماراتية شابة طموحة تتبوأ مكانتها في هذا الميدان، ما يشكل خبرات حقيقية تمثل رافداً لدول المنطقة في هذا المجال. حفظ الله دولة الإمارات وقيادتها الرشيدة.

med_khalifaa@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى