قضايا ودراسات

ألمانيا بعد ميركل

جيمس سكيدمور*

عهد ميركل الطويل- إذ أصبحت مستشارة لألمانيا في عام 2005- يشارف على نهايته. لكن هل هي نهاية هيمنة شخص واحد على المشهد السياسي، أم أنها تنذر بتغيّرات أكثر جذرية في المجتمع الألماني؟
كان يمكن أن يكون ما جرى مجرّد انتخابات وِلايات، ولكنْ من الواضح أن الناخبين قد أصدروا حكمهم على الوضع السياسي في برلين، والاقتتال الداخلي للائتلاف الحاكم المكوّن من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي/الحزب الديمقراطي الاجتماعي، ثلاثة من أقدم الأحزاب السياسية الألمانية وأكثرها انتشاراً.
وكان أوضح المستفيدين من غضب الناخبين، حزب البديل لألمانيا، اليميني المتطرف. فهذا الحزب الذي كان مهمَلاً باعتباره حزباً هامشياً مكوناً من قوميين كارهين للأجانب، جذب الناخبين بعيداً عن اليمين الأقل تطرفاً برسالته الواضحة، وإن تكن عدائية، بشأن المهاجرين والمشروع الأوروبي.
وكان المستفيد الثاني من الجمود في برلين، حزب الخضر. وهذا الحزب الذي كثيراً ما يوصف في وسائل الإعلام بأنه يساري، أكثر مركزية في حقيقة الأمر، في العديد من سياساته، وقد برهن على أنه شريك ائتلاف موثوق على مستوى الولايات والمستوى الوطني.
وتكاد مواقفه تكون متعارضة تماماً مع مواقف حزب البديل لألمانيا، وهو أيضاً إلى جانب ذلك يتمتع بزيادة في شعبيته في استطلاعات الرأي.
ويرى كثيرون هذه التطورات دليلاً على أن ألمانيا ليست في مأمَن من الموجة الأخيرة من التمزق السياسي الذي يتدحرج فوق الديمقراطيات الغربية. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن إعادة الترتيب هذه، للنظام السياسي في ألمانيا، قد تبدو مفاجئة، فقد كانت قيْدَ التشكُّل منذ بعض الوقت.
وعندما ننظر إلى الوراء، إلى عهد ميركل، نرى أن النسخة الألمانية من استياء الناخبين الحالي، لها جذورها في بعض الإجراءات التي اتخذتها ميركل وحكومتها.
فأزمة الديون الأوروبية، التي حدثت في أوائل العقد الحالي، لم تعُد على ميركل بالنفع. ولم يخجل المتظاهرون في اليونان من تصوير ميركل بشارب هتلر، بعد أن قادت ألمانيا الاتحاد الأوروبي في مطالبة اليونان باتخاذ إجراءات تقشف صارمة مقابل القروض لتدعيم البلاد.
وقد دفعت ميركل الثمن أيضاً في الداخل الألماني. فقد ظهر الحزب البديل لألمانيا للوجود في ربيع عام 2013 وحصد نسبة مدهشة من الأصوات تساوي 4.7% في الانتخابات الفدرالية في سبتمبر/ أيلول. وكان للحزب رسالة اقتصادية بسيطة هي أنه ينبغي على ألمانيا- وجميع أوروبا- التخلي عن اليورو- وإلاّ فسوف تضطرّ ألمانيا إلى مواصلة دعم النظام المالي الأوروبي برمته.
وازداد التأييد الذي يحظى به حزب البديل لألمانيا، نتيجة لأزمة اللاجئين في أوروبا عام 2015. فقد اتخذت ميركل خطوة جريئة، وفتحت حدود ألمانيا أمام اللاجئين السوريين بشعار قوي هو «نستطيع أن نفعل هذا!» الذي قوبل بدعم متحمس. وقد سمّتْها مجلة «تايم» «شخصية العام». وأدّى عدم قدرة الحكومة على التعامل بحزم مع احتجاجات النازيين الجدد العنيفة الأخيرة في مدينة كيمنتس شرقيّ المانيا، إلى مزيد من القنوط لدى كثير من الناخبين.
إن إرث ميركل سيكون إرثاً مختلطاً. فليس ثمة شكٌّ في أنها هيمنت على الثقافة السياسية في ألمانيا أثناء توليها منصب المستشار، حيث هَمّشتْ معظم المنافسين الحزبيين بسهولة. ولكنها ظلت أيضاً تؤجل القرارات على أمل أنها قد تختفي كلّياً. وكانت عقليتها المتمثلة في البقاء على نفس المسار، تلقى الانتقاد باعتبارها نفوراً من اتخاذ القرارات.
وعلى الرغم من أن ميركل لم تكن كاملة الأوصاف، فإنها- بقرار التنحّي- صدمت كثيراً من المراقبين باعتبارها الأمل الأخير الأمثل للقضاء على مدّ الشعبوية الذي يجتاح أوروبا ويهدد مؤسساتها.
وفي الوقت نفسه، فإن خروجها من المسرح الوطني يكشف التصدعات في الاستقرار السياسي في ألمانيا، التي يجب على حكومتها أن تتحمّل بعضاً من اللوم عليها.
إن مكانة ألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب، تعود إلى حدّ كبير إلى الإجماع بين الأحزاب السياسية الرئيسية على نقطتين أساسيّتيْن:
الأولى هي قبول أنه يجب على الأمة أن تكفّر عن جرائم الرايخ الثالث. والثانية هي إدراك أن أهم أسباب الاندماج مع أوروبا، رغم جميع منافعه الاقتصادية، هو دوره في منع ألمانيا وأوروبا من العودة إلى التردّي في هاوية الشمولية.
وسوف يتعيّن على السياسيين في ألمانيا، أن يضاعفوا جهودهم للحفاظ على هذا الاستقرار الذي تحقق بصعوبة. وكوْن هذا الاستقرار لم يعُد بالإمكان اعتباره أمراً مُسَلَّماً به، هو العقاب الحقيقي الذي يشكله رحيل ميركل.

*مدير مركز واترلو للدراسات الألمانية في جامعة واترلو (الكندية).
موقع: «ذي كنفرسيشن»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى