قضايا ودراسات

كالينينجراد وزمن المناورات الكبرى

د.ناصر زيدان

لم تنفصل مقاطعة كالينينجراد عن روسيا، كما العديد من الدول والمقاطعات الصغيرة المحيطة عندما تفكّك الاتحاد السوفييتي في العام 1991، وبقيت ضمن السيادة الروسية رغم أنها تبعد 400 كلم عن الحدود البرية الغربية، وتفصلها عن روسيا الأراضي البولندية من الجنوب والأراضي الليتوانية من الشمال، لكن كالينينجراد التي تقارب مساحتها 15 ألف كلم مربع، ويعيش فيها ما يقارب المليون مواطن روسي؛ تتواصل مع روسيا عن طريق البحر، بحيث لا تتجاوز المسافة البحرية بين موانئ المقاطعة والشواطئ الروسية الغربية على بحر البلطيق 100 كلم.
ميناء بلتفسك الرئيسي في المقاطعة؛ هو الميناء الوحيد الذي لا يتجمد في الشتاء في الشمال الروسي، ولذلك فهو يحتضن أسطولاً عسكرياً روسيّاً كبيراً، وفيه منصات متطورة لإطلاق صواريخ باليستية محملة بالرؤوس النووية، والتي يمكن أن تُطلق من الغواصات، ومن السفن الحربية، ومن البر في المقاطعة المتقدمة في الخاصرة الأوروبية. في العام 2013 عززت روسيا وجودها العسكري في المقاطعة، ونشرت صواريخ «إسكندر- إم» المتطورة، رداً على نشر حلف الأطلسي، الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا المجاورتين لحدودها. وفي الأيام القليلة الماضية اتخذت روسيا قراراً بزيادة القوات العسكرية في المقاطعة، بحيث سيصل عددها إلى حدود 15 ألفاً بعد أن كانت بحدود العشرة الآف بين ضابط وجندي، بمن فيهم الخبراء.
تعزيز القوات الروسية في كالينينجراد بالرجال والعتاد؛ لم يأتِ فجأةً، ولا هو مبني من فراغ، بل إن الدوافع لهذا الاستنفار لها ما يبررها، وتأتي في سياق تسابق – لا نعرف كامل دوافعه – حصل فجأة بين حلف شمالي الأطلسي من جهة، وروسيا ومعها – على درجة أقل الصين – من جهة ثانية، وبدا السباق كأنه مناخ عام يُحضِّر لحروب من الجيل الرابع والخامس.
وإذا كان التوتر السياسي بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة وبين الشرق المتمثِل بروسيا والصين؛ ليس في أوجِه، إلاّ أن المناورات العسكرية الكبرى التي حصلت، أو التي يُحضَّر لها؛ ليست عادية، وهي تنمّ عن استعراضٍ غير مسبوق للقوة، لم يحصل بهذا الحجم الكبير منذ انفراط الثنائية القطبية مطلع ستينات القرن الماضي.
أجرت روسيا – وبمشاركة قوات صينية ومنغولية – أضخم مناورة على الإطلاق نهاية سبتمبر/‏ أيلول الماضي في سيبيريا، أطلقت عليها اسم « فوستوك – 18 « شارك فيها 300 ألف ضابط وجندي، و36 ألف دبابة، وألف طائرة. واستغرب الخبراء المتابعون كُبر حجم هذه المناورة، كذلك استغربوا مشاركة القوات الصينية فيها، ولو بشكل محدود، ذلك أن السياق العام للصراع الدولي حالياً؛ لا يستدعي مثل هذا التأهُب.
بالمقابل فإن مناورة حلف شمال الأطلسي المسماة «ترايدنت جانكتشيه» على الأراضي النرويجية، وبالقرب من الحدود الروسية في أقصى الشمال؛ ليست أقل وقعاً. فهي أكبر مناورة أطلسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشارك فيها أحدث الوحدات العسكرية المقاتلة من دول متعددة عضوة في الحلف، بقيادة الولايات المتحدة .
هذه المناورات العسكرية الكبرى؛ تخفي شيئاً من الارتباك الذي يسود العلاقات بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهةٍ ثانية. وأجواء التفاؤل التي عكستها قمة هلسنكي بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في تموز/‏ يوليو الماضي، كما تبادل الزيارات بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وبوتين، وزيارة الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون مرتين هذا الصيف إلى روسيا؛ كل تلك الاتصالات لم تصل إلى حد إنتاج رخاء سياسي بين الأقطاب الكبار في الصراع الدولي.
فلا العقوبات الأوروبية – الأمريكية ضد روسيا والتي فرضت على خلفية ضمّ جزيرة القرم في العام 2014؛ ستُرفع عنها في المدى المنظور، ولا روسيا في وارد تقديم تنازلات استراتيجية أمام المحور الغربي، لأن الأوضاع الداخلية لا تسمح لها بتقديم مثل هذه التنازلات التي قد تُساهم في إضعاف تركيبة النظام.
في زمن المناورات الكبرى، تبرُز أهمية الجَيب الكالينينجرادي الكبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى