قضايا ودراسات

غزة نحو الهدوء

علي قباجه

يبدو أن الأمور تسير نحو الهدوء في قطاع غزة، في ظل وساطة مصرية قوية وجادة؛ لوقف تصعيد الأوضاع هناك، وعجز فصائلي فلسطيني عن خوض غمار الحرب، خاصة أن القطاع يعاني وضعاً مترهلاً على الصعد كافة، الاقتصادية والاجتماعية والبنيوية، إلى جانب عدم توافر متطلبات المواجهة البشرية أصلاً؛ ذلك أن حصار 12عاماً لم يُضعف البنية التحتية فحسب بل إن مآسيه طاولت البشر، وأضعفت أجسادهم. ورغم صمودهم الأسطوري إلا أنهم يتوقون لعيش هانئ هادئ كما هي حال كل البشرية من حولهم، ويضاف إلى كل ذلك عدم امتلاك «إسرائيل» الرغبة في خوض غمار مواجهة لا طائل منها، فهي متيقنة أنها ستخرج مهزومة لا محالة، ولن تجني سوى الخيبة، فمن تصدى لها على مدى سني احتلالها لن يُذعن لها، ويقدم فروض الطاعة حتى وإن استمر الحصار سنوات عدة، كما أن الأجواء الداخلية في كيان الاحتلال لا تسمح بأي حرب رغم تحريض المستوطنين المتواصل لدفع حكومتهم للفتك بالقطاع.
الأجواء المُلبدة بدأت تنقشع، ويبدو أن ثمة حلحلة تصب في مصلحة غزة وانتشالها من ضيقها، وإنقاذها من أتون حرب كانت ستأتي على ما تبقى من سبل الحياة فيها، وما يؤكد أن غمامة الصيف إلى زوال استمرار الزيارات الماراثونية للوفد المصري، التي آتت أُكلها، خاصة مع إعلان الفصائل الفلسطينية تهدئة المواجهة على السياج الفاصل مع الاحتلال على حدود القطاع، وحصرها بالاعتصام بمخيمات العودة، بعيداً عن السياج. وتبع قرار الفصائل، تلميح «إسرائيلي» بأن هناك تهدئة تلوح بالأفق، مقابل التخفيف من الحصار، وهو ما سيؤدي بلا شك إلى نتائج حميدة تخدم القطاع، وربما تنعكس نتائجه على طرفي الصراع الفلسطيني فيتجهان نحو إيجاد حل أيضاً لانقسامهما بحيث تتوحد البوصلة الفلسطينية في القطاع والضفة نحو هدف واحد يخدم القضية الفلسطينية، بعيداً عن الاتهام والتخوين من كل طرف للآخر.
حكومة الاحتلال اليمينية بقيادة نتنياهو ربما لن تنسى القطاع من إجرامها، فهي عُرف عنها الإجرام والتطرف؛ لكنها ترى أن الوضع غير مواتٍ لفتح جبهة جديدة، فهي تواجه في الداخل خصوماً شرسين، حاولوا مراراً إنهاء حياة نتنياهو السياسية، خاصة أن الأخير تعتريه ملفات فساد طاولت أركان حكومته، وامتدت لأفراد أسرته، وهو ما جعله يتريث في الحرب على القطاع إلى جانب أنه غير واثق من نتيجتها في حال أعطى إشارة البدء، وأعلن ساعة الصفر لانطلاقها؛ حيث إنه تلقى أكثر من صفعة من هذا القطاع، الذي أثبت أنه عصي على المهادنة، فلقد لقنه درساً في عدوان 2014 ولا تزال بعض تفاصيله ماثلة في ذهن نتنياهو، الذي بدا عقب العدوان منكسراً خائفاً، وهو ما جعله غير قادرٍ على الاستمرار في إدارة المعركة، كما وصفه آنذاك جون كيري وزير الخارجية الأمريكي السابق. وأياً كانت نتائج الحرب فإنها لن تصب في مصلحة أحد في ظل عدم الاستعداد الكافي لها من قبل الطرف الفلسطيني. لذا ما ينبغي على الفلسطينيين القيام به في حال سكنت الأوضاع أن يعدوا العدة نحو المصالحة أولاً والاستعداد لمواجهة الاحتلال ثانياً، فهو وإن هادن الساعة إلا أنه لا يؤمن جانبه، والعاقل لا يلدغ من جحر أكثر من مرة.

aliqabajah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى