قضايا ودراسات

مجالس «الواتس أب»

جمال الدويري

كم منا ما زال يحرص على إجراء مكالمة هاتفية بعزيز عليه في عيد الأضحى أو عيد الفطر ليهنئه بالمناسبة السعيدة؟، وكم منا ما زال يجري اتصالاً للتعزية بفقدان عزيز؟، ومن منا ما زال يحرص على الاتصال بصديق أو قريب لتهنئته بتخرج أو بزواج أو أي مناسبة سعيدة، أم أن الأمر انقشع برمته تحت بند رسالة «واتس أب»؟!.
لماذا حلت هذه التقنية محل عاداتنا وتقاليدنا التي لطالما ميزتنا عن غيرنا بالتواصل والترابط والتراحم؟، لماذا أصبحنا نلتقي في «الواتس» أكثر مما نلتقي في الحياة؟!.
هل ما زلنا نجيد استخدام مواقع التواصل، للتواصل فعلاً، أم أنها أصبحت الوسيلة والغاية، فنتواصل عبرها، ولا نستخدمها لنرتب عملية التواصل؟!.
هل ستتحول مجالسنا التي ما زالت حية فينا إلى اليوم من لقاءات عند الآباء والأجداد، أو في «المجلس» أو «المضافة» أو «الديوانية» أو «التعليلة» إلى مجلس «واتس أب» فقط؟!.
هل إذا استمررنا في عملية التطور التقني التي نشهدها يوماً بعد يوم في مواقع ووسائل التواصل، قد نصل إلى مرحلة أن نتناول القهوة عبر «الواتس»، كأن يعد كل منا فنجانه في المكان الذي هو فيه، ونحتسي القهوة في الوقت نفسه، مع قليل من الصور؟!.
ألم نلاحظ أن نغمات أصوات إخوتنا وأقاربنا وأصدقائنا باتت غير مألوفة لدينا لقلة سماعها، وأصبحنا نجيد الكتابة أكثر مما نجيد التعبير بالكلام؟!.
حتى الشجارات أصبحت عبر «الواتس»، وتنتهي أحياناً بالضربة القاتلة، كأن يوجه شخص إلى آخر سيلاً من الشتائم والإهانات، ويتبعها ب «بلوك» سريع لتبقى الحسرة في قلب الثاني وقد تحوله إلى وحش يبحث عن «رقم آخر»؛ ليرد الصاع صاعين، وهنا قد تحدث المعجزة. ويلتقيان، ولكن ليس لأمر إيجابي، بل ليضربه مقابل ما وجهه له من شتائم.
هل سنصل يوماً إلى أن نفتح بيت عزاء عبر «الفيسبوك»، كأن ننشر صورة المرحوم، ونتلقى التعزيات وفيض مشاعر الحزن، وفي اليوم الثالث ينشر أبناء الفقيد، «بوست» آخر يشكرون فيه على التعازي؟!.
معدلات تطور وسائل التقنيات، لن تبقى بالوتيرة نفسها، فإذا كان برنامج ما احتاج إلى سنوات حتى ذاع صيته مثلما حصل مع «الفيسبوك» أو «الإنستجرام» أو «السناب» وغيره، فإن الأمر لا يحتاج لأشهر أو أسابيع، وأيام حالياً، وفي المستقبل سيحتاج لثوانٍ معدودة.
هل نصل إلى درجة أن نعرف أن عزيزاً قد فارق الحياة عندما نرى متى كان «أون لاين»؟!.
لماذا بتنا نجلس مع «البعيد» عبر «الواتس» أكثر مما نجلس مع الذي يشاطرنا الغرفة نفسها؟!، و«يتبجح» البعض بقدرته على السيطرة على أبنائه في تقنين استخدامهم للتقنيات، وهو نفسه لا يستطيع السيطرة على نفسه.
وسائل متطورة، معظمها مجانية كما يبدو لنا، أوجدت لتحسين الحياة، لكنها أصبحت هي الحياة كلها.
مجرد أسئلة خطرت في البال..

jamal@daralkhaleej.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى