قضايا ودراسات

الكيل بمكيالين

محمد رباح

أخطر الأنفاق التي يمكن أن تدخل بها العملية التعليمية هي نفق اللا حوار، حين تصبح لغة المادة الحكم الأول والأخير بين ولي الأمر والإدارة المدرسية، التي يكفيها تعثر ولي الأمر في سداد رسوم ابنه المدرسية، حتى تحيل الطالب إلى ساعي بريد، يحمل خطابات التهديد بالتسريح، ما لم يتم دفع القسط المستحق، بغض النظر عن الظروف المادية للأهل، الذين يتحمل بعضهم هذه المسؤولية، على اعتبار معرفتهم المسبقة بصرامة تعامل المدارس الخاصة، حين تتعلق المسألة بكسبها المادي المشروع.
كلنا يعلم أن المدارس الخاصة مشاريع استثمارية في قالب تعليمي، تحكمها عوامل الربح والخسارة، إلا أن ذلك لا ينفي أن عليها الأخذ بمعطيات مسؤوليتها المجتمعية، وأن تكون أكثر ليونة مع بعض الحالات التي يمكن اعتبارها إنسانية، وهي المسؤولة عن زرع القيم الإنسانية في نفوس الطلبة قبل التعليم.
بالأمس القريب، كان التسريح مصير طالبين لتجاوزهما حدود السلوك الطلابي القويم في إحدى المدارس الحكومية، فيما سرّح طالبان لعدم سدادهما الرسوم الدراسية في إحدى المدارس الخاصة، وبين هذين وهذين، تتجلى صورة افتقاد الإدارات المدرسية لغة الحوار. وإذا كانت محقة بعض الشيء في القرار المتخذ بحق الطالبين اللذين ضربا بعرض الحائط العادات والتقاليد، إلا أنها لم تكن كذلك بحق الاثنين الآخرين، وهو ما تؤكده لوائح وزارة التربية والتعليم التي تحظر تسريح الطالب لأكثر من أسبوعين، وأن يقتصر العقاب على حجب الشهادة المدرسية في نهاية العام، إلى حين سداد كامل الأقساط.
وهنا تظهر حقيقة أخرى، فالوزارة التي تعمل على حماية الطالب من فكي المادة في التعليم الخاص، تجاهلت القيام بالدور عينه في المدارس الحكومية، فتراها تحل تسريح الطلبة غير المسددين لرسومهم، في الوقت الذي هي مطالبة فيه أكثر من غيرها بحسن التعامل معهم.
ازدواجية المعايير هذه ألقت بظلالها على التعليم الخاص، في ظل غياب قانون عمل ينظمه ويحكمه كخلافه من القطاعات الخدمية، حتى أمسى يستمد شرعية قراراته من ممارسات المدارس الحكومية، فيطبق من إجراءاتها ما يتماشى معه، وبالأخص المتعلقة بالرسوم والسلوك.
في ظل هذه المعطيات فإن وزارة التربية مطالبة بسرعة العمل للانتهاء من قانون التعليم الخاص، وفرض رقابة أكثر صرامة عليه، إلى حين انتهائها من ذلك، فضلاً عن إعادة النظر في بعض قراراتها التي تتعلق بمصير الطالب.

pressrabah@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى