قضايا ودراسات

ويل للقراء من كاتب لا يقرأ..!

مريم البلوشي

الكتابة فعل لا إرادي لما نمر به من تعايش وقتي للأحداث والمواقف، وللقراءات التي تمر في حياتنا وتتحول لأفكار تجوب فكرنا وتصرعه حتى يتخلص منها بفعل الحرف المكتوب، الكتابة من وجهة نظري هي تلك الملكة التي يمنحك إياها الله في بدايتها كطفل جنين يولد في رحم المعرفة بداخلك، تحتضنها وتبدأ في مشاغبتك لكي تتحرك وتهديها ذاك الاهتمام الجلي وتدللها، وفعل الدلال لا يصاغ بما يعرفه العامة؛ فترفض بريقها ما أصبح مشاعاً في حارات الكل…! هل يمكن لنا أن نتصور اليوم إلا لبعض الأسماء التي ولدت وراثياً بهذه الملكة، أن تكون كاتبا نابغة وأنت لم تتعلم بعد أصول الأبجدية في عالم الحياة الحقيقية، أعجب من أولئك الذين يمضون في ظل البهرجة الضوئية التي لربما أعتمت عيونهم، وجعلتهم يعتقدون أن السهولة في أن تنشر كتاباً، تجعلك كاتباً حقيقياً؟
اليوم أصبح البحث عن الكتّاب الجيدين هو تجربة تستحق العناء. فهل تحق مقولة الكاتب العراقي علي الوردي «ويل للقراء من كاتب لا يقرأ» والتي شدتني كثيراً، ولربما أوجعتني حين قرأتها في كتاب القارئ محمد المرزوقي «هكذا تكلم القارئ»، في كتابه تطرق للثورة التكنولوجية التي جعلت النقد الافتراضي المبني بكل شفافية على آراء القراء هي نوعية حقيقية من تبادل الآراء والأفكار حول الكتب، وذلك لا يتأتى لأحد إلا حين يقرأ بعمق ما يريد أن يناقش أو يطرح فكرة حوله. ففعل القراءة اليوم ولدت قبيلة جديدة أسماها الكاتب «قبيلة القراءة» قراء عرفوا أن القراءة أهم من الكتابة. والناقد صفة ليست مجرد شهادة أكاديمية، فمفاهيم النقد الحديث مبنية على عمق القراءة والصراحة، على التعرف على الكتاب والكاتب والتعمق مع أفكاره وموازينه ولربما أحياناً الحالة الجغرافية التي مر بها..!
الكتابة فعل مسموح للجميع، ليست مقتصرة على أحد، ونحن من يحذر، فذلك لا يجعلنا نقبل أن نسمم عقولنا بما لا يحتمل؟ لتعود كلمة الوردي حقيقة تلامسنا وتجرنا لأن نتبين أن الأدب، الفكر والثقافة هي تجارب مؤلمة أحياناً لكنها تستحق، فكيف تردها دونما قراءة؟
القراءة ليست فعلاً يعلمك الكتابة فحسب، بل كيف تختار من تقرأ له ولمن تقرأ ومتى، الوقت يتناسب مع تغييراتك النفسية ليطرح لك في زمن ما الكتاب المناسب الذي يعيد لك توازنك، فكيف لمن لا يقرأ أن يتدرج في سلم المعرفة والتطور، فيتطور في ذاته وما ينقله لمجتمع حوله، هل صادفتم يوماً قارئاً مثقفاً يقف أمامكم يقول لكم «أريد أن تشرح لي كتابك حتى أقتنع باقتنائه؟»، هو لا يشكك في الكتاب، بل يحتاج أن يعرف على أرض الواقع أي كاتب أنت، حديثك، أسلوبك وحتى استجابتك لسؤاله ترضيه وتقنعه بجديتك أحياناً. يبحث هو أيضا عن الكاتب القارئ.

Mar_alblooshi@homail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى