قضايا ودراسات

اطمئن يا بولسونارو

عبدالله السويجي

البرازيل قررت مؤخراً أن تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، سالكة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، وضاربة بعرض الحائط ردة الفعل الفلسطينية والعربية، وغير مكترثة للعلاقات الاقتصادية التي تربطها بالعالم العربي. قرر رئيسها بولسونارو، أن يسعد قلب رئيس الوزراء «الإسرائيلي» نتنياهو ويقدم له هدية يغيظ بها الفلسطينيين والعرب، ليحظى فيما بعد بالرضا الأمريكي واللوبيات الصهيونية حول العالم وخاصة في أمريكا. والأكثر من ذلك لينعم بالسلاح «الإسرائيلي» وخاصة أنظمة التجسس المتطورة ليزيد من قمع شعبه.
لقد توقفت عند مسألة مهمة مثيرة للسخرية والضحك والحزن في آن، إذ تخشى الأحزاب البرازيلية أن يكون رد فعل العرب تجاه خطوة نقل السفارة قوياً فيقاطعون اللحم البرازيلي والمنتجات الأخرى، وهنا أقول بكل حزن، اطمئن يا بولسونارو، لن تجد أحداً يعترض على خطوتك، وإن اعترض أحد فلن يخرج عن الكلام الذي سرعان ما سيطير في الهواء، وتستمر الحياة بحلوها ومرها.
ولمن لا يعرف عن البرازيل سوى أنها حاضنة لنجوم كرة القدم الذين سحروا ألباب الجماهير في المباريات العالمية، فإن هذه الدولة هي أكبر دولة في أمريكا اللاتينية وأمريكا الجنوبية وخامس أكبر دولة في العالم من حيث المساحة الجغرافية أو عدد السكان، والاقتصاد البرازيلي هو سابع أكبر اقتصاد في العالم، ولديها ثروات طبيعية تكفيها ويزيد.
اطمئن أيها الرئيس المنتخب، فالعرب منشغلون بمحاربة الإرهاب، والكيان الصهيوني ليس من ضمن هذا الإرهاب، فما يفعله كل يوم من قتل وتشريد للفلسطينيين ليس إرهاباً، ورفضه تطبيق المعاهدات التي وقعها مع الفلسطينيين ليس إرهاباً، وبناء جدار الفصل العنصري ليس إرهاباً، وحرق أشجار الزيتون وجرفها من جذورها ليس إرهاباً، واعتقال الأطفال والنساء وكبار السن ليس إرهاباً، وعدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه الذي اعترف به مجلس الأمن منذ أكثر من 60 عاماً ليس إرهاباً.
اطمئن يا بولسونارو، العرب ليسوا على كلمة سواء، إنهم يحاربون بعضهم بعضاً، ويكيدون لبعضهم، وحتى العمل الاقتصادي المشترك عاجزون عن تطبيقه، فما بالك بالسياسات الخارجية، إنهم متفرقون حتى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي لم تعد على رأس الأولويات، ويؤجلون قضاياهم المصيرية إلى أجل غير مسمى، ومنها قضية القدس.
اطمئن يا بولسونارو، حتى القيادة الفلسطينية لا تزال منقسمة ومنذ سنوات طويلة، فتح تقاتل حماس، وحماس تكيد لفتح، ويفرض أحدهم على الآخر عقوبات اقتصادية وسياسية من دون خجل، ولا شيء في الأفق يوحي بإتمام المصالحة، ولهذا قد تصدر بيانات بشأنك، وسيدينون خطوتك، وسيطالبونك بالتراجع، لكنهم سيعودون للانشغال بأنفسهم وتناحرهم بعدها بأيام.
لقد أقدمت يا بولسونارو على خطوة تنسجم مع السياسة «الإسرائيلية»، فشرطتك تنسجم تماماً مع ممارسات الشرطة «الإسرائيلية»، ومعظم التقارير تقول إن أجهزتك الأمنية تنتهك حقوق الإنسان، والشرطة تتسم بالفساد وتتسلط على الشعب، وسجونك مزدحمة، وتقول الأخبار إنك تزج فيها أكثر من طاقتها. شرطتك قتلت 538 شخصاً في ولاية ساو باولو في أول ستة أشهر من العام 2006، وفي ولاية ريو دي جانيرو قتلت الشرطة 694 شخصاً في النصف الأول من عام 2007، وهناك ممارسات للعبودية جعلت منظمة العمل الدولية تطالب بمعاقبة أجهزتك. ولكن اطمئن فأنت في أمان طالما الولايات المتحدة ودويلة الاحتلال يشدان من أزرك، فهما يغضّان الطرف عن جرائم يومية وانتهاكات دائمة بحق الفلسطينيين، إذ تقتل الشرطة «الإسرائيلية» بدم بارد لمجرد الشبهة، وهو توجّه إجرامي متأصل، لهذا، لن يكترث أحد إن كنت تحمي حقوق الإنسان أم لا.
أما حب العرب لفريق البرازيل لكرة القدم فلن تشوبه شائبة، وسيستمر الشباب والفتيات في ارتداء قمصان عليها صورة رونالدو، وسيصفقون طويلاً ويقلبون الصالات تشجيعاً حين يسجل الفريق هدفاً، وإذا فشل سيكسرون التليفزيونات وربما يطلّقون زوجاتهم، وهنا أيضاً يجب أن تطمئن يا بولسونارو، فنحن نفصل بين الرياضة والسياسة، ولن نناصبك العداء؛ إذ إننا شعوب حضارية، وسنشجع فريقك دائماً، وسنبقى معجبين بموسيقى السامبا والرقص المصاحب لها، نحن نقدر الفن ونحترم ثقافات الشعوب الأخرى. ولهذا نم قرير العين واطمئن.

suwaiji@emirates.net.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى