قضايا ودراسات

أخطاء في مسيرة السلام الضائع

عاصم عبد الخالق

لا يوجد ما يضمن أو ينبئ بنجاح خطة السلام الأمريكية التي طال انتظارها. وسواء كان اسمها صفقة القرن أو أي شيء آخر، فليس هناك حتى الآن مؤشرات على أنها ستكون أسعد حظاً من غيرها من مقترحات ومبادرات طرحت وطواها النسيان منذ اتفاق أوسلو قبل ربع قرن. خلال تلك السنوات تبدلت رئاسة الإدارات الأمريكية أربع مرات، من بيل كلينتون الديمقراطي، إلى جورج بوش الابن الجمهوري، ثم باراك أوباما الديمقراطي، وصولاً إلى الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب، والذي لم يُدلِ بدلوه أو يطرح أفكاره في خطة رسمية معلنة حتى الآن.
ارتكبت كل الأطراف أخطاء خلال المسيرة المتعثرة للسلام منذ أوسلو، ومع ذلك يظل الطرف «الإسرائيلي» هو المسؤول الأول عن الجمود الحالي، وعلى صخرة تعنته وعدوانه تحطمت كل الفرص والأحلام. لا يعترف التيار الأكبر من الإعلام الأمريكي بهذه الحقيقة، ولديه اتهامات جاهزة للفلسطينيين بتحمل مسؤولية الفشل كاملة، وفي أحسن الأحوال تحمّل جزء منها.
ومع ذلك هناك من لديه الشجاعة ليعترف بأن «إسرائيل» والولايات المتحدة ارتكبتا أيضاً أخطاء، بالطبع دون منح صك البراءة كاملة للفلسطينيين.
وقبل أسابيع نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية المعروفة تقريراً يعبر عن هذا التوجه المعتدل نسبياً. التقرير أعده اثنان من المتخصصين في الشرق الأوسط، يجمعان بين الخبرة البحثية الأكاديمية والعمل الدبلوماسي الرسمي. الأول هو دينس روس مبعوث السلام السابق في الشرق الأوسط، والآخر هو ديفيد ماكوفسكي عضو فريق السلام في إدارة أوباما. والاثنان باحثان في معهد سياسات الشرق الأدنى.
يرى الكاتبان أن الأطراف الثلاثة ارتكبت أخطاء جسيمة منذ توقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر/ أيلول 1993. وقد رصدا أهم خمسة أخطاء لكل طرف، ونصحا الإدارة الحالية بتجنب تكرارها قبل طرح مبادرتها. وكما قالا في ختام التقرير فإن إدراك أخطاء الماضي الخطوة الأولى لصنع المستقبل.
الخطأ الأمريكي الأول بدأ في عهد كلينتون، وتمثل في ميوعة موقفه إزاء النشاط الاستيطاني المكثف من ناحية، وتهرب الفلسطينيين من تحمل مسؤوليتهم الأمنية، على حد وصف التقرير، من ناحية أخرى، وكان على كلينتون أن يكون أكثر حزماً مع الجانبين.
الخطأ الثاني ارتكبه بوش الابن وهو تردده في إطلاق عملية السلام، فلم يقم بأي تحرك جاد إلاّ في أواخر فترة حكمه الثانية. إلا أن الوقت كان قد تأخر كثيراً لصنع أي شيء.
مقابل ذلك تحرك خليفته أوباما مبكراً ولكن خطأه، وهو الثالث للولايات المتحدة، كان تساهله تجاه عدم تعاون السلطة الفلسطينية، ورفضها لكل عروضه وأفكاره للسلام، بينما واصل انتقاده للاستيطان «الإسرائيلي». الخطأ الرابع وقعت فيه كل الإدارات السابقة، وهو تجاهل إرساء أسس حقيقية لصنع السلام، ووضع جذور له.
بمعنى أنها لم تبذل جهداً كافياً لخلق وتطوير مقومات حقيقية للدولة الفلسطينية المقترحة، وهو ما حاول القيام به رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض. ويرى الكاتبان أن واشنطن لم تدعم بشكل كافٍ جهود فياض، وكان عليها دفع «إسرائيل» لعدم عرقلة حركة وتجارة الفلسطينيين. بنفس القدر الذي كان عليها الضغط على السلطة الفلسطينية لمحاربة الفساد في أجهزتها.
الخطأ الأخير الذي وقعت فيه أيضاً كل الإدارات الأمريكية، هو أنها تعاملت مع السلام كفكرة تجريدية، ولم تحاول أن تقنع به المواطن العادي، سواء الفلسطيني أو «الإسرائيلي»، ليشعر أنه سيجني فائدة حقيقية من التعاون والتنازلات المتبادلة. كان يمكن عقد مؤتمرات ولقاءات بين المواطنين من الجانبين. في الوقت نفسه كان الفلسطينيون سيشعرون بأن شيئاً ما يتحقق إذا أوقفت «إسرائيل» البناء خارج الكتل الاستيطانية الكبيرة. وبالمقابل كان «الإسرائيلي» العادي سيأخذ تعهدات السلطة الفلسطينية بتحقيق السلام على محمل الجد، إذا اتخذت موقفاً أكثر صرامة من العنف.
هذه أهم أخطاء واشنطن التي رصدها الكاتبان. ولا يتسع المقام للحديث عما ذكراه من أخطاء الفلسطينيين و«الإسرائيليين» التي سنعود إليها لاحقاً.

assemka15@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى