قضايا ودراسات

تصعيد التصادم مع إيران

محمود الريماوي

كما كان منتظراً فإن العقوبات التي هدّدت بها الولايات المتحدة، إيران، سوف تجد طريقها إلى التنفيذ ابتداء من اليوم 5 نوفمبر. وهي ذات طابع اقتصادي حاسم إذ تتعلق أساساً بوقف استيراد النفط الإيراني ومقاطعة الشركات التي تتولى إنتاجه وتسويقه، بما في ذلك المؤسسات المالية، ومنها البنك المركزي الإيراني. وليست هذه العقوبات بجديدة إذ كانت سارية قبل توقيع الاتفاق النووي مع الغرب وروسيا والصين أواخر العام 2015.
ولطالما اتسمت العلاقات الأمريكية مع طهران بالسلبية منذ فرض عقوبات على الأخيرة، وقبل نحو عقدين من الزمن، كانت إيران تصنّف أمريكا ك«محور الشر»، فيما كان يطلق على أمريكا في إيران «الشيطان الأكبر».
تستند هذه العقوبات إلى النفوذ والحظوة التي تتمتع بها الدولة العظمى، وليس إلى قرارات دولية. كما تعتمد على مماشاة وتوافق نسبة كبيرة من دول العالم مع التوجهات الأمريكية. وقد تم استثناء ثماني دول من مفعول هذا العقوبات، وقد عُرفت من بينها خمس دول هي العراق والصين والهند وتركيا وكوريا الجنوبية، على أن يكون هذا الاستثناء مؤقتاً.
وإن بدا القرار في ظاهره ثنائياً بين دولتين، إلا أن أبعاده ونتائجه تمسّ دولاً كثيرة في العالم، منها دول أوروبية حليفة للولايات المتحدة. إذ إن العقوبات على إيران سوف تحرم دولاً عديدة من مبادلات تجارية واسعة مع طهران، مثل قطاع السيارات والآلات عموماً. ويمثل النفط 80 في المئة من الناتج القومي الإيراني بالعملات الأجنبية، وهو ما يفسّر مسارعة دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا للاحتجاج على هذه القرارات التي تمسّ بصادراتها إلى إيران واستثماراتها في هذا البلد. ويضاف هذا الاحتجاج إلى موقف أوروبي مماثل من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي.
ومن المثير للدهشة أن متحدثاً باسم الخارجية الإيرانية( بهرام قاسمي)، وصف تأثر هذه العقوبات في اقتصاد بلاده بالقول: «إن التأثير سيكون نفسياً فقط!». علماً بأن مسؤولين آخرين، بينهم الرئيس حسن روحاني سبق أن حذّروا من ازدياد الوضع سوءاً في البلاد، وذلك مع الانهيار المتسارع للعملة الإيرانية أمام العملات الأجنبية، وإغلاق ما لا يحصى من مصانع وشركات ومعامل، وذلك قبل سريان العقوبات الجديدة.. فكيف سيكون الحال بعد سريانها؟
التأثيرات سوف تمتد بطبيعة الحال إلى سوق النفط، حيث تزوّد إيران العالم بما لا يقل عن خمسة في المئة من الاحتياجات النفطية. وتكمن مشكلة طهران في أن دولاً عديدة من داخل منظمة الأوبك وخارجها، قادرة على تعويض نقص النفط الإيراني، وربما المحافظة على الأسعار السائدة مع ارتفاع طفيف محتمل في الأمد المنظور. وسوف تكون المشكلة أكبر إذا ما تكيّفت سوق النفط مع غياب إيران واعتادت على هذا الأمر!. علماً بأن إيران هي إحدى خمس دول ساهمت بتأسيس منظمة أوبك في العام 1960 إلى جانب الكويت والسعودية والعراق وفنزويلا.
ومن شأن القرارات الجديدة التأثير بدرجة ملموسة في مستوى معيشة ملايين الإيرانيين، والذين يواجهون أوضاعاً صعبة، نجمت عنها احتجاجات واسعة خلال الشهور العشرين الماضية، ولن يكون مستبعداً أن تشهد البلاد موجة اضطرابات جديدة مع سريان العقوبات التي ستضعف من حجم الإنفاق الحكومي، كما ستؤثر سلباً في نشاط القطاع الخاص المرتبط بالإنفاق الحكومي، بالإضافة إلى التأثير المباشر في قطاع إنتاج النفط وتكريره وتسويقه وفي العاملين في هذا القطاع الضخم والاستراتيجي.
وسوف تراهن طهران على تفاعلات التحفظ الأوروبي والصيني على القرارات الأمريكية. علماً بأن تحفظات سابقة على الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي، بقيت في إطار إعلان السياسات، أما على مستوى التعامل مع إيران فقد تقلّص إلى حد بعيد، إذ كبحت مؤسسات أوروبية كبيرة تعاملاتها مع هذا البلد متساوقة مع الموقف الأمريكي، رغم التحفظات المعلنة على هذا الموقف.
أما فُرص التفاوض بين طهران وواشنطن فتظل مستبعدة، رغم تلويحات متكررة حول ذلك الأمر، فطهران ترفض أن تتحوّل إلى دولة كبيرة عادية في المنطقة، وتعتبر أن تمدّدها وصناعة أذرع لها هنا وهناك وإشعال النزاعات هي حقوق مكتسبة، بينما لا تعتزم أمريكا مغادرة موقع القوة العظمى، صاحبة النفوذ الأكبر في عالمنا، وهو نفوذ ليس عسكرياً فحسب، بل هو نفوذ علمي وسياسي وصناعي وثقافي أيضاً، بما يجعل الصراع مفتوحاً.

mdrimawi@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى