قضايا ودراسات

الناشر الذي لا يكتب

يوسف أبو لوز

سؤال قد يكون في محله.. إذا اشتغل ناشر ما في قطاع صناعة الكتاب ولفترة طويلة.. لماذا لا يتحول إلى كاتب، أو على الأقل، يغامر ويكتب؟
تبادر لي هذا السؤال وأنا أتحدث قبل يومين، في أحد الأجنحة في معرض الشارقة الدولي للكتاب، مع ناشر عربي قال: درست علم المكتبات وأنا شاب في العشرين من عمري، والآن أنا في السبعين منها، واحد وخمسون عاماً في حقل الكتب أو بين الكتب. واحد وخمسون عاماً بين المكتبات وفي دور نشر. لا أخرج من بين الكتب، ولو أعطيتني وظيفة أخرى فلن أعرف ما أفعله.
طبعاً، نعرف ناشرين كتاباً مثل يوسف إدريس صاحب رواية «الحي اللاتيني» ومثل رياض الريس وممدوح عدوان وغيرهم من الكتاب العرب الذين أسسوا دور نشر وأداروها، والقليل منهم نجح في هذا القطاع، والآخرون أغلقوا دورهم وذهبوا للبحث عن الرزق في أعمال أخرى، لكنها لم تبتعد عن بيئة الكتاب والكتابة، ولكن لم يتحول ناشر إلى كاتب يشار إليه كما يقولون، وفي حدود ما قرأت أشير إلى تجربة الناشر فتحي البس، صاحب دار نشر «الشروق» الأردنية، الذي وضع كتاباً في سيرته وتجاربه وحياته بلغة سردية وصفية.
لا توجد ظاهرة يمكن معاينتها بوصفها ظاهرة الناشر الذي تحول إلى كاتب، وذلك يعود إلى أسباب منها، اجتهاداً هنا.. أن قطاع النشر هو صناعة وتأسيس دار نشر في حد ذاته يأخذ شكل المشروع التجاري، القابل إلى أن ينجح فيربح، أو يفشل فيخسر، ومن يقدم على مشروع من هذا النوع، فمن المؤكد أنه يمتلك أو عليه أن يمتلك عقلاً تجارياً لكي يضمن النجاح والربح.
العقل التجاري، الذي يحسب ما يسمى الجدوى الاقتصادية، واحتمالات الربح والخسارة، ويحسب السوق، وما يسمى التنافسية والعرض والطلب، وغير ذلك من مصطلحات ولغة اقتصادية تجارية استثمارية.. هذا العقل لا يمكن أن يكون عقل كاتب، والقارئ يعرف قبلي أن بعض الناشرين الكبار في الوطن العربي وفي العالم، ربما، لم يقرأ إلا تلك المخطوطات المدفوعة إلى دار نشره من قبيل المراقبة والتقييم المتعلق ب«جودة مادة الكتاب»، ومدى الربحية المتوقعة منه.
للإنصاف بالمقابل لا يقدم ناشر على تجربة الكتابة إذا كان لا يعرف روحها وبيئتها الطفولية، ولكنه في الوقت نفسه يمتلئ بالأمل بأن يكون كاتباً.. وعدم الإقدام على الكتابة يعني الخوف من الكتابة، غير أن الخائف من الكتابة يختلف بعيداً عن الناشر المستثمر، الذي لا يخاف إلا من الثنائية المزعجة: الربح أو الخسارة.
في النهاية. الكتابة لا هي الربح ولا هي الخسارة، والكتابة أيضاً ليست مغامرة، ولا تجريباً ولا خوضاً في المجهول، ولا تقبل الحسابات، وإعادة الحسابات، إنها شيء أقرب إلى روح ذلك الرجل السبعيني الذي يبدو من جسده أنه في الخمسين كائناً حياً بين الكتب.. وهو الذي لم يكتب.

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى