قضايا ودراسات

كيف نحمي أنفسنا من شركات التكنولوجيا؟

ماورو كوينز*

يبدو لي وللكثيرين ممن يتفقون معي في هذا الرأي أن التطور التكنولوجي الذي شهده العالم خلال السنوات الماضية يسبق بخطوات كثيرة اللوائح والأنظمة المعمول بها منذ فترة طويلة. والآن وبعد أن فاق العالم من غفوته التي دخلها قبل عدة سنوات في مواجهة التطور الهائل للتكنولوجيا، بدأت الحكومات في إدراك الأمر، وهو أن التقنية سبقتهم بمراحل عديدة لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال بذل جهود مشتركة لإيجاد القوانين والأحكام المناسبة التي تتماشى معها.
من أهم الخطوات التي يمكن أن نعوّل عليها لمواجهة تغوّل شركات التكنولوجيا الكبرى، قانون حماية البيانات الأوروبي، الذي جاء بطريقة شبه متكاملة فاجأت تلك الشركات، لأنه يتطرق لكافة النقاط الخفية التي كان عمالقة التقنية ينجحون في استغلالها سابقاً، حيث سارعت تلك الشركات إلى صياغة قوانين جديدة خاصة بالمستخدمين تفادياً للوقوع في فخ القانون الجديد الذي يفرض غرامات قياسية ستكون موجعة بالتأكيد لكبار التكنولوجيا.
تجاذبت أطراف الحديث مع العديد من الزملاء وخبراء القطاع بعد إصدار القانون، وكنت متابعاً لما يجري خاصة بداية الإعلان عنه، وبعد مرور أشهر طويلة على إصداره، يبدو أنه بدأ يؤتي أكله، حيث أصبحت شركات التكنولوجيا التي تحركها بياناتنا حذرة جداً في ما كانت تقوم به سابقاً بكل أريحية وبدون حسيب أو رقيب، ولا شك في أن غياب مثل هذه القوانين خلال السنوات الماضية كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت تلك الشركات للتمادي في استغلال البيانات لأغراض ربحية بحتة.
يجب على الآخرين الآن السير على خطى أوروبا في ما يتعلق بقوانين حماية البيانات، لأن اختلاف القوانين والأنظمة بين مكان وآخر سيحدث بالتأكيد ثغرات كبيرة يمكن بها لعمالقة التكنولوجيا استغلالها بأسوأ طريقة ممكنة، خاصة بعد أن أصبحت مكبلة في أوروبا، وستبحث عن تعويض ما خسرته هنالك في أماكن أخرى لا تنطبق فيها تلك اللوائح الصارمة، وما الولايات المتحدة إلا مثال واضح على تراخي القوانين المنظمة لأنشطة التكنولوجيا.
لا أدري لماذا لم تقدم أمريكا حتى الآن على إصدار قوانين مشابهة لأوروبا في هذا الشأن، أو على الأقل فرض رقابة صارمة على جميع أنشطتها كما هو الحال في الصين، على الرغم من أن هذه الطريقة لا ترقى إلى مستوى مكافحة الأعمال غير المشروعة لشركات التكنولوجيا، ولا تمثل وجهاً حضارياً لمواجهتها، ولكنها على الأقل تستطيع التحكم في بعض توجهاتها، وتجبرها على اتخاذ وضعية الحذر.

*إيكونوميست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى