قضايا ودراسات

ما يفعله العمر بنا

د. حسن مدن

كثيرة هي المرات التي استوقفني، كتابةً وتفكيراً، موضوع العمر وعلاقتنا به. وحين عدت إلى ما هو متاح لديّ من أرشيف مقالاتي حول الموضوع وجدت أن اهتمامي به لا علاقة له بما أنا فيه اليوم من مرحلة عمرية، وإنما يعود إلى سنوات كنت فيها أقرب إلى سن الشباب مني إليه إلى سن الكهولة.
مؤخراً اطلعت على معلومات أو ملاحظات حفّزتني على العودة للموضوع، حيث قرأت أن الإنسان يمر بمراحل «صامتة» من التحول، فمن مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ، هناك تغيرات جسدية تتم بطريقة عجيبة، ومع أنها بطيئة لكنها متدرجة، وإن بدا التحول كبيراً. وحسبنا لقياس ذلك أن نقارن بين صورتين لنا، أو لسوانا ممن نعرفهم، يكون الفارق بينهما عشر سنوات مثلاً، حيث نجد الواحد منا في الصورة اللاحقة كما لو كان شخصاً آخر، غير ذاك الذي كان في الصورة السابقة.
لا يعود الموضوع حسب صاحب هذه الملاحظة النابهة إلى حال التقدم في العمر وحدها، وإنما يعود أيضاً إلى ما يصفه بحال التجدد الخلوي الدائم، ففي سنة واحدة تتجدد خلايا جسدنا بشكل كامل تقريباً.
يتم هذا البناء المتدرج والمتواصل بالتبادل مع المحيط البيولوجي والاجتماعي، فالبيئة من حيث هي طبيعة محيطة وطقس معين يميل إلى البرودة الشديدة أو بالعكس إلى الحرارة الشديدة، تترك تأثيراتها على طبيعة هذا التحول من حال إلى حال، أو من صورة إلى أخرى على النحو الذي تظهره المقارنة بين صورتين لأحدنا تفصل بينهما سنوات.
تأثير التكوين الاجتماعي من حولنا على ذواتنا ليس أقل أهمية من التأثير البيولوجي. ألسنا نسمع أو نقرأ دائماً عن المقارنة بين المتقدمين في العمر، نساء ورجالاً، الذين نصادفهم في المدن الأوروبية أو في الجولات السياحية وبين أمثالهم في بلداننا، حتى لو كانوا أقل سناً منهم؟ ففيما نجد لدى الأولين الحيوية والرغبة في الاستمتاع بالحياة نصادف لدى الآخرين الميل إلى الكآبة واليأس واعتلال الصحة المبكر.
مؤلفة كتاب «أزمة منتصف العمرالرائعة»، إيدا لوشان، تحثنا على مغادرة هذا الميل المتشائم، مؤكدة أن الجزء الأول من حياتنا حتى سن الأربعين هو للتعلم والتجريب، أما الجزء التالي فهو الذي يأخذنا نحو النضج الأعمق حيث نكون قد قمنا باختيارات شخصية عديدة في الدراسة والعمل والزواج ونمط الحياة، وتطورت ملكاتنا في التقييم والتأمل، وبات علينا أن نجعل من كل ذلك أموراً جالبة للسعادة.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى