قضايا ودراسات

اتفاق كير – مشار

فتح العليم الفكي

أثارت المغادرة السريعة لزعيم المعارضة المسلحة في جنوب السودان ريك مشار العاصمة جوبا – بعد حضوره الاحتفال الذي أقيم يوم الأربعاء الماضي باتفاق السلام الذي تم توقيعه في شهر سبتمبر/أيلول الماضي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا- العديد من التساؤلات حول مدى نجاعة هذا الاتفاق وصموده في وجه التحديات والعقبات الكثيرة التي تواجهه.
وفسر المراقبون مغادرة مشار إلى الخرطوم على أنها مؤشر إلى هشاشة الاتفاق وفقدان الثقة بين الجانبين رغم تأكيدات الرئيس سلفا كير ومشار تمسكهما بالاتفاق وعدم العودة مجدداً إلى الحرب.
وتعهد مشار – الذي حل في جوبا بعد عامين من الغياب- خلال الاحتفال بعدم التراجع عن تحقيق السلام ودعوته للترويج للاتفاق وشرح أبعاده ومضامينه للجميع، ومناداته بتكوين جيش موحد يمثل الجميع وشرطة موحدة، ودعوته لغريمه الرئيس كير بإطلاق سراح بقية المعتقلين والأسرى إبان الحرب وإلغاء قانون الطوارئ.
الرئيس كير اعتذر لشعبه عما لاقاه من معاناة قائلاً: «أشعر بالأسف العميق للألم الجسدي والنفسي الذي عانيتموه»، وأضاف «كونوا على يقين لن نعود للحرب أبداً، لقد سامحت أخي مشار وأطلب منكم جميعاً أن تتسامحوا مع بعضكم».
وتبدو عملية بناء الثقة هي المحك والاختبار الحقيقي لقدرة الغريمين على تجاوز المرارات والأحقاد، خاصة أن الصراع بقسوته وفظاظته قد أفقدهما الكثير من مؤيديهما وفاقم من أزمات قاعدتيهما القبليتين اللتين تشكلان دعماً لهما، لذلك فإنهما مطالبان بموجب هذا الصلح بتقديم حوافز لشعب جنوب السودان الذي شردت الحرب نصف سكانه واضطر مليونان ونصف المليون شخص إلى اللجوء في دول الجوار، فيما عانى الذين أجبرتهم ظروفهم على البقاء في البلاد نوبات المجاعة التي ضربت البلاد وعنف الميليشيات وانتهاكاتها الفظة.
إن الحوافز المطلوب من سلفا ومشار تقديمها لشعبهما تتمثل في توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه النظيفة وإعادة فتح المدارس وتشييد شبكة طرق حديثة حتى يشعر المواطن في الدولة الوليدة بأن حكومته تقوم بعمل ملموس من أجله وهو أمر بعيد المنال في دولة تفتقر لأبسط مقومات الدول العصرية.
لقد أفقدت هذه الحرب وما صاحبها من فظاعات جنوب السودان تعاطف أصدقائه في الغرب، وبوجه خاص تعاطف الولايات المتحدة التي كان لها القدح المعلى في دعمه حتى قيام دولته المستقلة.
إن المهمة أمام كير ومشار ليست سهلة ولكنها أيضاً ليست مستحيلة ولديهما في نموذج رواندا أسوة، حيث خرجت من مذابح التوتسي والهوتو في تسعينات القرن الماضي أقوى من ذي قبل، وأصبحت بفضل القيادة الخلاقة للرئيس بول كاغومي من أسرع اقتصاديات القارة نمواً، فلو امتلك سلفا ومشار الإرادة والعزيمة واقتنعا بأن الحرب لم ولن تكون في يوم من الأيام هي الحل الأمثل للمشاكل السياسية وأدركا حاجة شعبهما للتنمية والتعمير والعيش الكريم سيتمكنان من العبور ببلادهما إلى آفاق مستقبل مزهر، خاصة أن جنوب السودان لا يزال بكراً يزخر بالعديد من الموارد والثروات.

alzahraapress@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى