قضايا ودراسات

امتحانات من نوع آخر

عبداللطيف الزبيدي

هل جرّبنا استخدام المقاييس المطبّقة في مجالات معيّنة، وحكّمناها في أداء ميادين مختلفة تماماً؟ مثلاً، مشاهد من التربية والتعليم، ننقلها إلى مستوى الأداء العام للدول. هل يعترض أحد على أن الحياة مدرسة؟ إذاً لنأخذ النظام العربيّ، بالجملة لا بالمفرّق، كما لو كان طالباً فرداً، وندخله قاعة الامتحانات لاختباره في جميع المواد: السياسة، الاقتصاد (التنمية والمالية والتخطيط)،العدالة (استقلالية القضاء)، التربية والتعليم، الإعلام، الثقافة، العلوم والبحث العلمي، الاتصالات والمواصلات، باختصار كل أعمال الوزارات والمؤسسات المهمّة في القطاعين العام والخاص.
المهارات العربية الفائقة في تشكيل اللجان، ستشكل في لمح البصر لجنة إعطاء «النمرات»، التي ستجعل العقل العربيّ يطير فرحاً بغيث المواهب والهبات الذي همى، في زمان الوصل الحضاريّ. كرزة الكعكة السخيّة، ستكون من أفضال اللجنة، التي ستختار بلداً مثل كوريا الجنوبية، سنغافورة أو ما شابه، وتعطيها «نمرات» في المواد نفسها، إرضاء لخاطر المتنبي:«وبضدّها تتبيّن الأشياء»، حتى تتسنى المقارنة ولا نتجنّى. بالمناسبة، هذه التجربة تسلية مفيدة وقيّمة، يستطيع كل عربيّ من الماء إلى الماء، إعداد قائمة موادها ومحاورها، وإهداء قائمة «النمرات» إلى المؤسسة العربية التي من الصعب تصوّر وجودها، وتهمها معرفة كيف يرى العربيّ الأوضاع وهو ملاك صامت أمام التحليق العلميّ والتقانيّ النجوميّ، الذي تحققه الأدمغة التي تعرف معنى المستقبل والتنافس الحضاري.
تقويم أداء البلدان في امتحانات دولية، ليس جديداً، فالتصنيف مطبّق سنوياً في الكثير من المجالات، كالعدالة الاجتماعية، حريّة الصحافة، عدد براءات الاختراع، ترتيب الجامعات، التجارة الخارجية، الأفضلية السياحية، التفوق في الرياضيات والعلوم وغيرها، لكن الاختبار في جميع المواد يظل ناقصاً أو غير مجتمع النتائج في موقع واحد، وهو الأهم. ثم إن أهمّ عنصر، هو أن تضطلع الشعوب نفسها بإعطاء «النمرات»، لأنها هي التي تعيش أدق تفاصيل المشهد، خصوصاً إذا كانت أقدامها على الجمر. كم عدد الأنظمة العربية التي تستطيع التحديق في ورقة نتائج الامتحان، بعيون شعوبها، من دون الإحساس بمأساة الاغتراب الحضاريّ؟
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغوية: في أنظمة عدّة، إعطاء «النمرات» على هذا النحو يبعث على تنمّر النمور.

abuzzabaed@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى