قضايا ودراسات

هزات الأرض.. هزات الفكر

د. حسن مدن

في القرن الثامن عشر، وبالتحديد في عام 1755، ضربت هزة أرضية قوية مدينة لشبونة فسوّتها بالأرض وأشعلت فيها الحرائق. يذكر التاريخ أن نحو 40 ألف نسمة قتلوا في التسونامي الذي اجتاح نهر تاجوس داخل المدينة نتيجة ذلك.
يومها قالت الكنيسة إن ما حدث غضبٌ من الله على المدينة وأهلها بسبب خطاياهم وغطرستهم، لكن الفيلسوف فولتير جادلهم في الأمر موضحاً أن ما حدث يعود لأنظمة الطبيعة التي تحرك طبقات الأرض فيحدث ما يحدث، وأن هذا الأمر حدث مراراً في التاريخ وسيحدث مستقبلاً أيضاً.
رأي فولتير هذا قاد إلى ما عرف بمعركة التنوير التي كان من ثمارها فصل الكنيسة عن الدولة، فأصبح لكل منهما حيزه الخاص. عادت الكنيسة إلى الفضاء الروحي المعنية به، ساعيةً لزرع الإيمان والسكينة في نفوس أتباعها، تاركة السياسة لأهلها، وتكرست قواعد تحظر تدخل الديني في السياسي والسياسي في الديني. ما بلغته أوروبا اليوم من تنظيم لقواعد العيش ومن صونٍ للحريات العامة والفردية يعود الفضل فيه إلى هذا المنجز.
لكن لا يصح إضفاء القدسية على فكرة التقدم. إن كان من جانب جدير بالاحتفاء في هذه الفكرة فهو الحس النقدي، إخضاع الظواهر للنقد والمساءلة، فرغم الأهمية التاريخية لحدث فارق في تاريخ فرنسا وأوروبا كالثورة الفرنسية مثلاً كونها نتاجاً لمعركة التنوير ذاتها، فقد شهدت الثورة فظائع وانتهاكات لحقوق الإنسان وحروبا توسعية.
لم يعد من الممكن إزاء مظاهر كهذه توجيه اللوم أو النقد إلى الكنيسة كما كان يحدث في الماضي، فالفكرة الجديدة التي حيّدت الكنيسة لم تضمن إقامة حياة خالية من الاستبداد وقمع الحريات وشن الحروب. احتاجت فرنسا، وأوروبا عامةً، زمناً لكي تتحرر من المظاهر الفاقعة لكل ذلك، ويصعب القول حتى اللحظة إنها تحررت منها نهائياً.
مثل الثورة الفرنسية كانت ثورة البلاشفة في روسيا ثورة الجياع من العمال والفلاحين والجنود المنهكين في الحروب، لكن دماء كثيرة كان عليها أن تسيل حتى تتمكن هذه الثورة من الظفر النهائي بالسلطة.
انطلقت الحرب العالمية الثانية من أوروبا أيضاً. الفكرتان النازية والفاشية منتجان أوروبيان، ليس الشرق القابع في الخرافة كما يقول الأوروبيون هو من أنتجهما وصدّرهما إلى الغرب. ومعلوم ما أدت إليه الفكرتان من كوارث وجرائم بحق الإنسانية.
القنبلتان الذريتان على هيروشيما وناجازاكي دللتا أيضاً على أن المنجز العلمي، يمكن أن يتحول، هو الآخر، إلى وسيلة قتل وإبادة.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى