قضايا ودراسات

نهاية الأمازون

جميل مطر

في البرازيل، الدولة ذات الاقتصاد الأكبر في أمريكا اللاتينية، فاز بمنصب رئيس الجمهورية في انتخابات حرة وبدعم من كبار رجال الأعمال وملاك الأراضي والمؤسسة العسكرية مرشح يدعو لإقامة حكومة نظيفة، حكومة تخضع في تصرفاتها للقانون والنظام. يضع نفسه في مصاف الأبطال العسكريين بحكم أنه خدم في شبابه ضابطاً بالقوات المسلحة. عاش حياته السياسية كمستشار في بلديات ونائباً في الكونجرس يدعو لعودة العسكريين إلى الحكم كحل للفساد المستشري في البلاد.
يرحب الرئيس الجديد بتدخل الدين في السياسة. يرفض تعبير الدولة العلمانية، ويدعو كل الرافضين لهذا الموقف إلى مغادرة البلاد. يحسبون له أو عليه كراهيته للنساء، أو ربما خوفه منهن، حتى إنه صرخ في وجه زميلة له في الكونجرس قائلا «لن أغتصبك فأنت لا تستحقين»، وسبّ صحفية تغطي أعمال الهيئة التشريعية بأنها عاهرة. لا يخفي كرهه للفلاحين وأُجَراء الأرض الزراعية والمهاجرين منهم إلى المدن ويعتبرهم إرهابيين. دائم الثناء على رجال الشرطة والإشادة بهم، حتى إنه وعد بأن يبدأ عهده بتوزيع ميداليات ونياشين عليهم وتحسين أحوالهم ومدّهم بكل ما يحتاجون إليه من أسلحة متقدمة. يعلن هذا في بلد اشتهر بأنه الأعلى في العالم في ضحايا عنف الشرطة، وفي البلد الذي جرب اصطياد أطفال الشوارع بالرصاص الحي أو خلال نومهم في الأزقة وعلى الأرصفة. الرئيس الجديد لا يخفي نواياه فهو القائل بأن خصومه الحمر أعضاء النقابات العمالية، يجب أن يطردوا من البلاد.
يكتشف المتابع للانتخابات البرازيلية صوراً وأنماطاً تكاد تكون صوراً طبق الأصل لسلوكيات مارسها ويمارسها سكان الولايات المتحدة وسياسيوها. بمعنى آخر تبدو الأمركة ومقاومتها عملية مستمرة كما كانت طوال القرن الماضي. أضرب أمثلة حية لمسناها خلال مراقبتنا للتطورات السياسية الأخيرة في البرازيل، بما فيها المرحلة الانتخابية وآثارها المباشرة.
أولاً: كان واضحاً أن فرعاً مهماً من الإنجيلية الأمريكية كطائفة أو مذهب ديني سياسي، هيمنت بالفعل على شكل وتفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية في البرازيل. هيمنت بكل سلبياتها وإيجابياتها المعروفة. لاحظنا – أول ما لاحظنا- انحسار الدور الاجتماعي المهم جداً للكنيسة البرازيلية العتيقة، ولعل أهم مظاهره زيادة معدلات الجريمة وتصاعد صعوبات التفاهم وتسوية النزاعات المحلية والهروب من التعليم في المراحل المبكرة وبدايات تفسخ المجتمع المدني، وقد كانت أنشط المجتمعات المدنية في أمريكا الجنوبية.
للكنيسة دور مهم في تاريخ البرازيل، خاصة في حمايتها ومقاومة الاستبداد، ونهاية هذا الدور أو تفريغه لصالح هيمنة القيادات الإنجيلية البالغة الثراء والداعمة للاستبداد والتابعة أيديولوجياً لأفكار أمريكية سوف يكون له أثر على السياسة في البرازيل، وربما في كل أمريكا الجنوبية. لاحظ مثلاً أن الطائفة أجبرت الرئيس الجديد على إعلان التزامه نقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس؛ أسوة بما التزم به الرئيس ترامب للطائفة في الولايات المتحدة ونفذه بالفعل.
ثانياً: للشعبوية جذور راسخة في الثقافة الأيبيرية ومشتقاتها في أمريكا اللاتينية. لعبت دوراً مهماً في حركات التحرير ضد الاستعمار، وأدواراً أخرى خلال عمليات التحديث ومواجهة صعوباته. كانت إيفا وخوان بيرون، من أهم رموز الشعبوية الجديدة في القرن العشرين، التي أثرت تأثيراً حاسماً في مسيرة الأرجنتين السياسية، وفي علاقات المؤسسة العسكرية في أمريكا اللاتينية بكل مؤسسات وأحزاب النهضة الديمقراطية في القارة. والمثال الأحدث هو حركة ونظام هوجو شافيز في فنزويلا، وكذلك نظام أورتيجا في نيكاراجوا.
يبدو لنا، ولو مستبقين الأحداث، أن جاير بولسونارو، الرئيس الجديد للبرازيل قد وضع الأسس اللازمة لإقامة نظام شعبوي على نمط أسلوب الرئيس ترامب في إدارة دفة الحكم في الولايات المتحدة.
ثالثاً: اليمينية الجديدة. ليس كل اليمين متخلفاً بالضرورة أو بحكم التعريف كما يدعي كثيرون من خصوم اليمين. ولكنني أزعم أن وراء كثير من الحركات الشعبوية الجديدة في الغرب، خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية يميناً شديد التعصب، أي شديد التخلف. الأمثلة كثيرة أبرزها حملة بولسونارو الانتخابية ضد أنصار المحافظة على البيئة والتزامه الاّ تضم حكومته وزيراً أو وزارة لشؤون البيئة. يمكن لهذا الالتزام وللحملة المتوحشة ضد البيئة أن يمرا باهتمام قليل في دول عديدة، لكن أن يصدرا عن مسؤولين في البرازيل، خاصة، فأمر خطير. ففي البرازيل يقع الشطر الأكبر من الأمازون ومعروفة حجم الضغوط اليمينية لنزع الغابات وبيع الأراضي المنزوعة منها الأشجار إلى طبقة ملاك الأراضي لتربية العجول واستخراج المعادن وطرد السكان الأصليين، وهو الخطر الذي يمكن أن يتنامى متسبباً في عمليات إبادة جماعية للسكان الأصليين وآثار وخيمة على المناخ في العالم بأسره. لقد وعد بولسونارو داعميه وممولي حملته بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ أسوة بما فعله دونالد ترامب، دون أن يراعي أن الأمازون يقع في البرازيل وأن لا أمازون لدى الرئيس ترامب، وأن العالم قد يغفر لترامب موقفه من قضية البيئة ولكنه لن يغفر لرئيس البرازيل استهتاره بالأمازون.
فوز بولسونارو بمنصب الرئاسة في جمهورية البرازيل، تطور له أبعاده في قارة تخرج الآن من مرحلة انتقالية لم تكتمل ولم تنجح تماماً. يجب أن نعترف بأن الانتقال نحو الديمقراطية في الحالتين، حالة أوروبا الشرقية وحالة أمريكا اللاتينية، لم يحقق المرجو منه، أو دعنا نقول إن الشعوب لم تصبر عليه ليكمل مشواره. البرازيل برئاسة رئيس جديد غير مؤمن بالقيم الديمقراطية، سوف تكون بمثابة آخر امتحان للمرحلة الانتقالية في أمريكا اللاتينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى