قضايا ودراسات

عن منتدى شباب العالم

د. ناصر زيدان

شكّل منتدى الشباب العالمي، الذي عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية بين 3 و6 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، حدثاً لا يمكن التقليل من شأنه، لا من حيث الشكل، ولا من حيث المضمون.
شكلياً حضر المنتدى أكثر من 5 آلاف شاب وشابة من 160 دولة، منهم وفود رسمية من 52 دولة بينهم رؤساء ووزراء.. تميز بالحضور الفاعل للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن طريق إلقاء كلمة في الافتتاح، والمشاركة في الأنشطة المختلفة، بما في ذلك ركوب الدراجة مع المتسابقين.
أما من حيث المضمون، فقد كان للموضوعات التي أُدرجت على جدول الأعمال أهمية؛ كونها تحاكي طموحات الشباب ومستقبلهم، ومنها على سبيل المثال: تحديات المستقبل وملف الهجرة وموضوع البطالة والعلاقات بين الشرق والغرب، كما في التركيز على التنمية في إفريقيا والتعاون العربي – الأوروبي.
من الواضح أن إرادة قوية تقف وراء إنجاح الملتقى، لاسيما من قبل منظمة الأمم المتحدة، التي شاركت في فعاليات المنتدى بوفد كبير ترأسه ممثل شخصي للأمين العام.
ومشاركة الوفود الرسمية في ندوات المؤتمر أضفى جدية على المناقشات التي حصلت في الجلسات المتعددة التي توزّعت على 18 قاعة، في كلٍّ منها تمَّ معالجة موضوع مُحدد، وصولاً إلى الاتفاق على توصيات بشأن كل من هذه المواضيع.
يُبرز انعقاد المنتدى في هذا الوقت بالذات أهمية دور الشباب في قيادة حركة التأسيس للمستقبل، لا سيما في الدول الأقل نمواً، أو التي تعاني نمطية تقليدية في الأنظمة التي لا تتماشى مع تحديات العصر.
ولعلّ محور التنمية في إفريقيا؛ كان الموضوع الأبرز في المحاور ال 18 المطروحة؛ لأنه لامس ملفاً في غاية التعقيد، ويؤثر في مستقبل القارة من ناحية، كما يؤثر في مستقبل القارة الأوروبية من ناحية ثانية؛ لأن التنمية في إفريقيا هي العامل الأساسي الذي يُحد من جنوح مشكلات الهجرة غير الشرعية إلى مندرجات خطِرة، بحيث تُسبِّب مآسي إنسانية كبيرة، منها غرق المهاجرين في مياه البحار المختلفة، ومنها أيضاً بعض الاضطرابات التي تتسبب بها هذه الهجرة في البلدان المستقبِلة، ناهيك عن محاولة استغلال هذه الهجرة من قبل منظمات إرهابية لإحداث بلبلة أمنية في أكثر من مكان.
والعلامة الفارقة في منتدى شرم الشيخ، هي الاعتراف بأهمية دور الشباب في بناء الأوطان، وفي إرساء قواعد جديدة للتعاون بين الشعوب والدول، تتجاوز المحددات التي سادت في الحقبة الماضية.. ذلك أن تطور وسائل الاتصال، ومنها شبكات التواصل الاجتماعي؛ فرض نفسه على العلاقات بين الشعوب، وأصبح موئلاً مهماً للتعارف، وتبادل المعلومات، كما للدور الإيجابي في تعلّم اللغات، لا سيما اللغة الإنجليزية، ولكن هذا يمكن أن يُهدد مستقبل العديد من اللغات الوطنية أو القومية بالانقراض، إن لم يجرِ التنبه له.
إلى ذلك، لا بد من الاعتراف بأن رؤى الشباب المشاركين في منتدى شرم الشيخ لامست تحديات متعددة، يمكن لاستمرارها أن يُشكل اضطرابات مستقبلية، أو تهديداً للأمن العالمي.
من أبرز هذه التحديات موضوع البطالة الذي يهدد الشباب، لاسيما الذين يتخرجون من الجامعات، من دون أن تتوفر لهم فرصة عمل تناسب اختصاصاتهم الجامعية. وقد أشار العديد من المشاركين إلى أن التطور الرقمي الهائل، يمكن أن يُلغي أكثر من 80 مليون فرصة عمل في قطاعات مختلفة، خلال السنوات العشر القادمة.
أما ملف الحروب في أكثر من مكان في العالم، بما فيها السباق على التسلّح الحاصل على مستوى الدول الكبرى؛ فإن هذا الملف يشكل مقتلاً للتنمية، ويُعيق التعاون البناء على المستوى الدولي، ويضرب التنمية المستدامة في الصميم؛ لأنه يستهلك ثروات بيئية ليست ملكاً للجيل الحالي فقط، بل هي ملك للأجيال اللاحقة.
وفي موضوع الإرهاب: أشار عدد كبير من المشاركين إلى أهمية معالجته بمقاربات ثقافية إلى جانب المعالجات الأمنية.. ذلك أن بعض أسباب هذا الإرهاب هو توافر البنى التحتية للمنظمات الإجرامية للاستفادة من وسائل التواصل الحديث لتعميم أفكار هدَّامة، وتشويه صورة الأديان السماوية، بما في ذلك محاولة تشويه صورة الإسلام الحنيف، دين المحبة والتسامح والعطف والمساواة.
ومن المفارقات التي تميَّز بها المنتدى، الانكباب المصري الحكومي للاهتمام بكل تفاصيل أعمال المنتدى، وتوفير الظروف المناسبة لنجاحه، ذلك أن البيئة المصرية تحتاج إلى الإضاءة على الموضوعات المطروحة، كما أنها بيئة مناسبة لبحث الموضوعات، التي تهم شباب العالم أجمع، كون مصر رائدة في احتضان الثقافات المتعددة، وتتمتع بغنى تاريخي وتراثي واسع، إضافة إلى أهمية موقعها الجغرافي كملتقى للقارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى