قضايا ودراسات

أمريكا.. إعلام ورئيس

صادق ناشر

لم يحدث صدام بين أي رئيس للولايات المتحدة الأمريكية ووسائل الإعلام، كما حصل ويحصل مع دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل عامين، فالعلاقة بين الطرفين مملوءة بالتوتر والانفعالات، وصلت في بعض الأحيان إلى الشتائم، وما حدث أمس الأول في المؤتمر الذي عقده ترامب للتعليق على نتائج انتخابات نصف الولاية، إلا دليل على أن العلاقة بينه وبين ممثلي وسائل الإعلام، وصلت إلى أسوأ مرحلة لها على الإطلاق.
كمية الألفاظ الجارحة التي وصلت إلى حد الأوامر بالجلوس أو بالتوقف عن تقديم الأسئلة، والتي أطلقها ترامب ضد الصحفيين، خاصة التي لا يرتاح للتعاطي معها أو أنها محسوبة على خصومه الديمقراطيين، مثل «سي إن إن»، لم يتلفظ بها أي رئيس أو مسؤول أمريكي سابق ضد الصحفيين، لكنها تجسّد حالة التوتر بين الإدارة الحالية ووسائل الإعلام، وبالطبع لم تكن هذه المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا العراك، لكنّها الأولى التي تصل فيها المواجهة إلى نوع من التحدي والألفاظ النابية مثل «وقح» و«بغيض» و«فظ» و«أنت غير جدير بأن تكون مراسلاً لوسيلتك الإعلامية»، وغيرها من العبارات التي عكست حالة من الافتراق بين ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية، التي تعدّ بالفعل سلطة رابعة في البلاد، وبإمكانها إسقاط مسؤولين وحتى رؤساء.
كشف المؤتمر الصحفي ضيقاً ترامبياً من حشره في الزاوية من قبل وسائل الإعلام، خاصة عندما ركّز مراسل ال«سي إن إن» على قضايا تعدّ محرجة بالنسبة للرئيس، من بينها قضية الهجرة، وصل الأمر إلى حد محاولة موظفة في البيت الأبيض انتزاع الميكرفون من كبير مراسلي القناة جيم أكوستا، ما أثار غضب الموجودين، خاصة أن البيت الأبيض اتخذ لاحقاً قراراً يعدّ الأول من نوعه، تمثّل بمنع أكوستا من دخول البيت الأبيض وحضور المؤتمرات الصحفية التي تعقد فيه، بحجة اعتدائه على الموظفة التي قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز إنه وضع يده عليها أثناء تأدية عملها، وأن البيت الأبيض لن يتسامح مع من يقوم بذلك.
المواقف المثيرة التي وقعت في المؤتمر الصحفي لترامب، توضّح حجم الاحتقان الذي خلّفته نتائج الانتخابات الأخيرة، خاصة أنها لم تأت متوافقة مع رغبة الجمهوريين في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، حيث ذهبت أصوات الناخبين لصالح الديمقراطيين في مجلس النواب، فيما احتفظ الجمهوريون بالغالبية في «الشيوخ»، وهو ما يكبّل ترامب والحزب الجمهوري في أي خطط قد يتم وضعها مستقبلاً.
لا شك أن حادثة المؤتمر الصحفي ستلقي بظلالها على العلاقة بين ترامب والبيت الأبيض من جهة ووسائل الإعلام من جهة أخرى في المستقبل، وسيشحذ كل طرف ما يملكه من أسلحة للنيل من الآخر، لكن ما حدث يسيء إلى مبدأ الحرية الذي يتبناه الدستور والقيم الأمريكية ويقوم النظام عليها، بل ويتفاخر بها، وإضعاف الإعلام يصيب هذه القيم في مقتل.

Sadeqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى