قضايا ودراسات

التّنمّر الأخلاقي

شيخة الجابري

لا يقتصر التّنمّر في وصفه العدواني على المدارس والطلاب، كما يتم التركيز على ذلك في الوسائل والآراء المتعددة، فهناك أنواع من «التّنمّر» لا تقل خطورة في الحقيقة عن التّنمر المدرسي، وهي ذات صلة بالتنمر في مواقع كثيرة وأماكن قد لا تخطر على بال أحد. وإشكالية التنمر أنها تجعل صاحبها في شعور دائم بأنه الأكثر فهماً ووعياً من غيره، وفي الحقيقة أنه خواء، لا يُدرك حقيقة ذاته، ولا يريد أن يفعل.
والتنمر الأخلاقي هو أحد أشكال التنمر الخطيرة، التي تتصل باللفظ والسلوك واستخدام مفردات معينة، وانتهاج العدوانية والحقد تجاه الآخر، وإن لم يفعل الآخر ما يثير هذا المتنمر، ولأن المتنمرين أخلاقياً في الغالب هم الذين يفتقدون للثقة بالنفس، ويعانون ضعفاً فكرياً ومعرفياً، وفي دواخلهم شعور بالنقص، فإنهم يردمون تلك الفجوات بمنطق المثل القائل «خذوهم بالصوت لايغلبوكوا»، بينما الواقع في تشخيص تنمرهم ينطبق عليه المثل الشعبي القائل «الحس حس راعده، والحيل حيل ياعده».
المتنمّرون أخلاقياً هم أولئك الذين يعانون اضطرابات في شخصياتهم، يعتقدون أن البشر من حولهم أعداء لهم، أو يتخذون موقف الضد تجاههم وأنهم يحاربون أعمالهم التي قد تكون منجزة على أكتاف غيرهم أحياناً.
ولأنهم هكذا فإنهم يستمرون في هذه الحالة من الإساءة والإيذاء للآخرين دون أي رادع، لأن رادعهم الأخلاقي أصبحت له مخالب وأنياب يحاولون بها افتراس الآخر ويفشلون، يدفعهم إلى ذلك ضعفهم الداخلي وحب النفس والأنانية، التي تصل بهم إلى حد الغرور، والتعالي، والشعور بأهميتهم المزيفة أمام الآخرين.
ولأن التّنمر في تعريفه هو «شكل من أشكال الإساءة والإيذاء» فإن آثاره السلبية كثيرة على الطرفين، المتنمر والطرف الآخر المُتعرض للإيذاء اللفظي أو السلوكي، حيث يفقد الاثنان أية وسيلة للتفاهم أو التواصل، وتصبح العداوة سمة بارزة في التعامل، ورغم أن الطرف الآخر قد يحاول إذابة التعقيدات في علاقته بالمتنمر أخلاقياً، إلاّ أنه يواجه رفضاً قاطعاً، وامتعاضاً، وزيادة في وتيرة العداء.
ومن أشكال التنمر الأخلاقي التي يمارسونها نشر الشائعات، والتّقول على الآخرين، والافتراء عليهم ونسج أحاديث وأفعال إليهم وحولهم وهم براء منها، من هنا فإن أمر التّنبّه إلى مثل تلك النماذج البشرية مهم جداً من أجل الحفاظ على الصحة النفسية للمُستَهدَفين بالتّنمر الأخلاقي.

Qasaed21@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى