قضايا ودراسات

متى يبدأ الحاضر؟

د. حسن مدن

يتعين إضافة سؤال تكميلي على السؤال أعلاه؛ حتى يتضح المقصد، والسؤال التكميلي هو: متى ينتهي التاريخ؟ بل لعل السؤال عن نهاية التاريخ سابق للسؤال عن بداية الحاضر، فكيف لنا أن نحدد ما هو الحاضر، إذا لم نحدد أين انتهى التاريخ، لنعرف أين نحن، أفي الماضي نقع أم في الحاضر؟
لن ننجو ونحن نسأل: «أين التاريخ؟» من تذكر فرانسيس فوكوياما في أطروحته الشهيرة عن نهاية التاريخ، التي راجت رواجاً واسعاً بعد نهاية الحرب الباردة، ونشوء العالم أحادي القطب، حيث بشّرت الدوائر الغربية، السياسية منها والأكاديمية والإعلامية، لتلك النظرية بنوع من الابتهاج والنشوة؛ لأن «الليبرالية الرأسمالية» انتصرت على ما تصفه بالشمولية.
كان فوكوياما نفسه من أوائل من تراجعوا عن أطروحته تلك، حين أدرك أن ما حسبه نصراً مبيناً لليبرالية الغربية لم يكن كذلك حقاً، فالعالم لم يغدُ أكثر أمناً واستقراراً وعدالة وديمقراطية، بل يمكن القول إن هذه القيم تراجعت عما كان لها من مكانة في العالم ثنائي القطب، ولم يعد أحد، بعدها، يتحدث عن نهاية التاريخ؛ لأن هذا التاريخ لا يمكن أن يبلغ النهاية أبداً، وإذا كان عليه أن يبلغها فليست، بالتأكيد، تلك النهاية التي احتفى بها فوكوياما.
حديثنا هنا ليس عن هذا بالضبط، فهو يدور عن طريقة الإمساك بالنقطة التي تسمح لنا بالقول إن ما قبلها كان تاريخاً، وإن ما بعدها هو الحاضر. ويتعين التفكر في التالي: هل يمكننا فعلاً أن نقيم هذا الفاصل بين الماضي والحاضر؟ هل يصبح الماضي ماضياً لأنه فقط بات خلف ظهورنا، أم أنه يظل يعيش ويؤثر في حياتنا، وأحياناً بصورة أكبر وأعمق أثراً مما نحسبه حاضراً؟
ساعتها سندخل في اللبس الأكبر: هل نحن في الحاضر فعلاً، أم ما زلنا في الماضي حتى لو تعاقبت السنون؟ ولكي نختبر الأمر علينا أن نخضع للمعاينة فكرة مثل فكرة الحداثة، فهل الحديث هو الجديد فعلاً، أم أن معيار القياس هو مدى عمق وتقدمية الفكرة مدار البحث، فحتى لو كان عمر هذه الفكرة يعود إلى قرون مضت، فإنها قد تكون أكثر حداثة من أفكار سائدة اليوم نحسبها جديدة، ولكنها، في الجوهر، تنويع على أفكار الماضي.
عربياً، أليست أفكار الحلاج وأبي حيان التوحيدي ومحيي الدين ابن عربي، على سبيل المثال ليس إلا، أكثر حداثة، بما لا يقاس، من الكثير من اللغو السائد اليوم، حتى لو تزيّا بزيّ الحداثة؟

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى