قضايا ودراسات

أمريكا تتلاعب بالورقة الكردية

محمد نورالدين

في خضم العواصف الانتخابية في الولايات المتحدة والتي باتت كأنها انتخابات محلية في كل بلد من العالم، نظراً لتأثيراتها المختلفة على السياسات الأمريكية في كل مكان، ووسط غبار العقوبات الأمريكية على الجديدة على إيران، كانت المسألة الكردية تطفو، لمن يهتم بها، على سطح الوضع السياسي والعسكري في سوريا وتركيا.
أكثر من محطة شهدتها هذه المسألة في الأيام القليلة الماضية أبرزها إعلان واشنطن وأنقرة بدء تسيير دوريات مشتركة في محيط مدينة منبج. وقد ظهرت عربات عسكرية تركية وأمريكية تسير جنباً إلى جنب وترفع كل منها علم البلد الذي تنتمي إليه.
الاتفاق التركي – الأمريكي على دوريات مشتركة بدأ في مطلع الصيف الماضي، لكنه لم يترجم رغم أنه ليس بالخطوة المؤثرة قياساً إلى بقية التطورات الحاصلة. ولكن الخلاف على مصير القس اندريه برانسون، أبطأ تنفيذ الاتفاق إلى أن أبصر النور يوم الاثنين الماضي. وفي ما لو نفّذ الاتفاق فعلاً وبصورة منتظمة فإن الأتراك يراهنون على أن يشكل بداية لتصحيح العلاقات بين أنقرة وواشنطن من جهة وبداية لتغير في الموقف الأمريكي من دعمهم لقوات الحماية الكردية في شمال سوريا.
لكن المحطة الثانية تلقي ظلالاً من الشكوك على مصير هذه الخطوة. ففي اليوم التالي للدوريات المشتركة كانت الولايات المتحدة تسيّر دوريات مشتركة من نوع آخر. فبعد تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن الجيش التركي قد يدخل في أي لحظة إلى مناطق شمال الفرات لضرب وحدات الحماية الكردية، ظهرت دوريات عسكرية مشتركة بين الجيش الأمريكي وقوات الحماية الكردية ولا سيما في محيط مدينة عين العرب/ كوباني، التي حددها الأتراك كأحد أهداف عمليتهم العسكرية المحتملة.
ولاشك أن سرعة ظهور الخطوة الأمريكية – الكردية بعد الخطوة الأمريكية – التركية كان مفاجئاً لأنقرة.
وبعد الدوريات الأمريكية – الكردية المشتركة، ظهرت المحطة الثالثة والمفاجئة نسبياً وهي إصدار السفارة الأمريكية في أنقرة بياناً تعلن فيه أنها ترصد مكافأة تحت اسم «جائزة من أجل العدالة»، لمن يعطي معلومات حول أماكن وجود ثلاثة من قادة حزب العمال الكردستاني. وهم: مراد قره يلان(5 ملايين دولار)، جميل بايق(4 ملايين دولار)، دوران قالقان(3 ملايين دولار).
وكانت الولايات المتحدة قد وضعت حزب العمال الكردستاني في قائمة التنظيمات الإرهابية عام 1997 وجددت ذلك في العام 2001. وقد جاء هذا الإعلان بعد انتهاء زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكية ماتيو بالمر إلى أنقرة.
تحاول الولايات المتحدة أن تمسك بعصا الخلاف مع أنقرة من وسطها. من جهة دوريات مشتركة مع الأتراك في منبج، ومن جهة ثانية دوريات مشتركة مع الأكراد في كوباني، ومن ثم إعلانات على نمط «مطلوب» في أفلام الكاوبوي الأمريكية. وهكذا تتصرف الولايات المتحدة كما لو أنها دولة كاوبوي مع قضايا مصيرية تخص شعوباً بكاملها.
لكن تخصيص جائزة مالية لثلاثة من أبرز قادة الحركة الكردية في تركيا والذين يدافعون عن حق الشعب الكردي هناك منذ مئة عام للتعامل معه على أنه يحق له المطالبة على الأقل بحقوق ثقافية تتصل بالهوية، يعكس السياسات الانتهازية والانتقائية لأمريكا والغرب في التعامل مع قضايا الشعوب. وإذا تذكرنا أن واشنطن نفسها وبالتواطؤ مع «إسرائيل» وتركيا قد خطفت زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان عام 1999 من كينيا وهو الآن معتقل في تركيا بالمؤبد، لما تفاجأنا بإعلان تقديم جوائز مالية مقابل رأس القادة الأكراد في تركيا. وهو الأمر الذي يجب أن يشكل برأينا رسالة تحذير إلى أكراد سوريا أنفسهم من أنهم سيواجهون مصيراً واضحاً وهو تخلي الولايات المتحدة عنهم في لحظة تقاطع المصالح الدولية. وهي دعوة لهم لإعادة النظر قبل فوات الأوان في استراتيجية تعاطيهم مع اللاعب الأمريكي والتي لا تنسجم لا مع تطلعاتهم ولا مع منطلقاتهم الإيديولوجية ولا مع تاريخهم النضالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى