قضايا ودراسات

جرائم معتادة

صادق ناشر

في الماضي كانت أي حادثة قتل تحدث في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أو دولة أوروبية، تحظى بأهمية وتغطية إعلامية واسعتين؛ نظراً لندرتها، لكن مع ما نشاهده اليوم من جرائم ترتكب هنا وهناك، تحولت المسألة إلى ما يمكن وصفها ب«المعتادة»، لكثرتها وطريقة تعامل الإعلام معها، حتى لكأن الولايات المتحدة والدول الأوروبية، تحوّلت إلى دول من دول العالم الثالث، ترتكب فيها الجرائم على نطاق واسع، من دون قدرة على معالجتها كظاهرة.
آخر الجرائم المرتكبة، ما حدث أمس الجمعة في مدينة ملبورن الإسترالية، حيث قتل شخص وجرح آخرون في حادثة طعن، فيما سبقه بيوم، حادث أكبر من حيث الحجم وعدد الضحايا في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قتل 13 شخصاً، من بينهم منفذ العملية، وهو شاب كان يهيئ نفسه لارتكاب جريمته منذ أسابيع، عبر منشورات على صفحته في «فيسبوك»، كان يلمح فيها لفعل شيء ما يجعل الناس يطلقون عليه وصف «مجنون»، حتى إن والدته بدأت تخشى من تبعات ذلك، وهو ما تحقق الخميس، عندما أطلق النار على ملهى ليلي تسبب بمقتل هذا العدد من الأشخاص.
سلسلة الجرائم التي نسمع ونقرأ عنها في وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية في الفترة الأخيرة تتنوع، وأصبحت مجردة من الإثارة، كما كان الحال عليه سابقاً؛ لأنها ترتكب بشكل مستمر، فالجرائم ترتكب هنا وهناك ويختلط فيها الجنائي بالإرهابي، ولم تعد السلطات المختصة في هذه البلدان، تخفي تداعياتها السلبية على المشهد الأمني برمته، خاصة أن الكثير من هذه الحوادث صار يستدعي يقظة أمنية أكبر لمواجهته؛ ما يعني زيادة في النفقات على التدابير الأمنية لمنع تكرار وقوعه، لكنه مع ذلك يتزايد باستمرار ويشكل خطراً على السلم الاجتماعي، الذي لطالما تفاخرت به هذه الدول.
والسؤال هو: إذا كانت مثل هذه الجرائم بتنوعها وخطرها تقع في البلدان الأكثر تقدماً، فكيف الحال بالدول التي لا تمتلك الإمكانيات لمحاصرة الأعمال الإرهابية أو حتى الجرائم الاعتيادية؟، فنحن نشاهد تزايداً في الأعمال الإرهابية في معظم دول العالم الثالث، من دون أن تكون لهذه الدول القدرة على امتصاص تأثيراتها على الأوضاع التي تعيشها، وانعكاساتها على خططها التنموية التي تبدو في حال أسوأ من ذلك الذي لدى الدول المتقدمة، مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
في غالبية الجرائم التي ارتكبت في العامين الأخيرين، خاصة في أوروبا وآخرها في إستراليا، كانت الوسيلة المستخدمة في هذه الجرائم هي السكاكين، حتى إن الشرطة الألمانية على سبيل المثال، بدأت تُدخلها كإحدى الظواهر التي تزايدت في الآونة الأخيرة، وتشكل خطراً على المجتمع الألماني، وتشير إلى تزايد واضح في استخدام طريقة الطعن في العمليات التي شهدتها البلاد مؤخراً؛ بل وطالبت بالوقوف بدقة على أسباب هذه الظاهرة وانتشارها، للحد من خطرها وآثارها المدمرة.

Sadeqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى