قضايا ودراسات

الترامبية المأزومة.. الأصل والصورة

عبد الله السناوي

كانت «نصف الهزيمة» التي لحقت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات النصفية لمجلسي الكونجرس، تعبيراً عن قدرة الآليات الديمقراطية على إثبات فاعليتها في مواجهة الشعبوية الجامحة.
بالوسائل الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع تبدت قوة الرفض في المجتمع الأمريكي لخطاب التحريض ضد المهاجرين والتمييز العنصري، على أسس عرقية ودينية والاستهانة بقضايا المرأة والسخرية من الحريات الصحفية والإعلامية.
لم يكن ممكناً أن يسيطر الحزب الديمقراطي على مجلس النواب دون المساندة الكبيرة التي حازها من كبريات الصحف والفضائيات ومؤسسات المجتمع المدني والأقليات السوداء واللاتينية والمسلمة وجماعات المرأة والشباب.
حركة المجتمع قبل أي شيء آخر وضعت ترامب في حالة أفول نسبي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2020.
ورغم حفاظ الجمهوريين على أغلبيتهم في مجلس الشيوخ، فإن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب سوف تكون لها تداعياتها في إرباك أجندة البيت الأبيض التشريعية وإخضاع الرئيس للمساءلة، فيما هو منسوب إليه من اتهامات قد تفضي إلى عزله.
ومن المفارقات السياسية أن ذلك الأفول النسبي للرئيس الأمريكي عند منتصف ولايته سبقه مباشرة صعود مثير لجايير بولسونارو رئيساً لأكبر دولة في أمريكا اللاتينية، الذي يوصف في وسائل الإعلام الدولية ب«ترامب البرازيلي».
كلاهما بنى صورته السياسية على خطاب شعبوي يستثمر في كراهية الأقليات وفساد النخب الحاكمة ومعدلات البطالة والتضخم ومستويات الجريمة.
وكلاهما جاء من خارج المؤسسة ويتبنى الموقف نفسه من اتفاقية باريس للمناخ ولا يعير اهتماماً كبيراً لأية اتفاقيات دولية موقعة ويتصادم مع الصحافة والإعلام، ويعتمد على دعم الطائفة الإنجيلية بخطابها المتشدد الموالي ل«إسرائيل».
كأن الرجلين أصل وصورة، شيخ ومريد في مدرسة شعبوية واحدة.
مفارقة الصعود المثير والأفول النسبي تأخذ معنى مختلفاً بالنظر إلى أن البرازيل ليست أمريكا، ولا ديمقراطيتها الناشئة لها ذات الرسوخ والتقاليد والقدرة على التصحيح والتصويب.
بنص كلام بولسونارو فإنه سوف يحكم البرازيل ب«الكتاب المقدس والدستور» دون أن يوضح كيف، في دولة علمانية متعددة الأعراق والأديان؟
الأخطر أنه لا يخفي إعجابه البالغ بفترة الديكتاتورية العسكرية التي حكمت البرازيل بين عامي 1964 و1985.
هذا مشروع صدام مؤجل لكنه محتم بالنظر إلى إرث تلك الفترة في انتهاكات الحريات وحقوق الإنسان وتعذيب معارضيها اليساريين، وما انطوت عليه من تحالفات معلنة بين جماعات المصالح الرأسمالية والاستخبارات الأمريكية.
بصورة أو أخرى يمكن رسم سيناريوهات للمستقبل الأمريكي على قدر من الدقة استناداً إلى موازين القوى التي تحكم اللعبة السياسية وتلزم أطرافها بقواعد دستورية ملزمة لا يملك أحد تجاوزها، لا ترامب ولا غيره، فيما لا يمكن رسم سيناريوهات مماثلة للمستقبل البرازيلي.
المستقبل كله غامض، الديمقراطية في خطر داهم واحتمالات الانفجار غير مستبعدة.
لا يجب أن ننسى أن حروب العصابات التي سادت القارة اللاتينية لسنوات طويلة حول منتصف القرن الماضي، كانت ردة فعل عنيفة للفساد المنهجي في مؤسسات الحكم وتبعيتها الكاملة وضد هذا النوع من الرئاسات.
بعد أثمان وتضحيات فادحة تجاوزت القارة اللاتينية فعل السلاح إلى طلب الديمقراطية ومزجتها مع العدالة الاجتماعية والتحرر من الهيمنة الأمريكية.
حرب العصابات استدعتها الأنظمة الفاشية والوسائل الديمقراطية تهيأت لها ظروف استجدت مكنت اليسار اللاتيني من الوصول إلى السلطة في دول عديدة.
كان ذلك تطوراً جوهرياً في أمريكا اللاتينية أغلق صفحة وفتح أخرى.
أخطر ما يحدث الآن أن ما أغلق قد يفتح من جديد. القضية ليست أن يخسر حزب العمال اليساري مقاليد السلطة بعد ثلاثة عشر عاماً فيها.
تداول السلطة من طبيعة الديمقراطية.
والقضية ليست أن يتراجع اليسار اللاتيني في أكثر من دولة، فمن حق الشعوب أن تعاقب في صناديق الاقتراع من يتعثر في الوفاء بوعوده وبرامجه أو يتنكر لها. القضية في احترام القواعد الديمقراطية نفسها.
ذلك يدعو للتساؤل عن مستقبل الديمقراطيات الناشئة في أمريكا اللاتينية، التي تجتاحها موجات شعبوية مماثلة، ومستقبل اليسار اللاتيني الذي هيمن تقريباً على مشاهدها السياسية في الحقب الأخيرة، قبل أن تنال من بعض نخبه الحاكمة اتهامات الفساد ووطأة الأزمات الاقتصادية، والحملات الممنهجة عليه من جماعات المصالح الرأسمالية المرتبطة تقليدياً بالاستراتيجيات الأمريكية.
الأسئلة لا يمكن تجنبها وتأثيرها واصل إلى هنا، حيث نحن في العالم العربي نتابع بلا اكتراث ما يحدث في أمريكا اللاتينية، لا نعرف من هم أصدقاؤنا ولا من هم أعداؤنا، ولا نعرف كيف نمد جسورنا، وإذا ما مددناها لا نعرف ما الذي نقوله ولا ماذا نريد؟
أرجو ألا ننسى أن أول قرار شرع في تنفيذه بولسونارو هو نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة أسوة بترامب، لكنه اضطر إلى التوقف المؤقت خشية ما قد يلحق ببلاده من خسائر فادحة.
من أسوأ ما يحدث في العالم العربي قدر التجاهل لما يحدث حولنا في العالم، أو أن نراه بعيداً فيما هو واصل إلينا بأمواجه وأحياناً بأعاصيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى