قضايا ودراسات

عظمة العلم والانحدار السياسي

عبداللطيف الزبيدي

ما علّة المسافة النجوميّة في المستوى، بين عظمة الإنسان في البحث العلميّ، وبين تردّي الآدميّ في سياسات قانون الغاب؟ لو وضعنا البشر في نموذج واحد، لرأينا كائناً فيه ألف نوع من فصام الشخصية.
في العالم علماء قمم في النقاء، فيزيائيّون فلكيون صهر العرفان أجسادهم عقولهم وأرواحهم، يصحون على التفكير في ملكوت الكون، وينامون حالمين بالظفر ولو بطيف من أطياف مفاتيح الخلق. وفي الكوكب عيون الجبابرة، تبحث بالمجهر عن أدنى ذريعة لتصنع منها فتنة، تستغلّ اندلاع شرارتها لإحراق منطقة بأسرها، وتحويلها إلى سوق سلاح تجني من ورائها ثروات، وتستولي بتدخلها على كل الثروات، فإذا الأقاليم سراب وخراب، وإذا القيم الحضارية أكاذيب كذّاب، ظاهرها خداع وباطنها عذاب.
الفيزيائيون معتكفون في أبراجهم اللامادّية، عاكفون على البحث عن المادّة السوداء. عشرات المليارات من الدولارات تنفقها مراكزهم في البحث عن شيء قد تعثر وقد لا تعثر عليه أجيال أخرى بعد آلاف السنين، مئات الألوف. قبل خمسة وعشرين قرناً، تحدث اليونانيون عن أن مادة الكون مكوّنة من الذرّة (أتوم) وتعني«ما لا ينقسم». بعد 2500 سنة عرف الفيزيائيون ما هي الذرّة، لكنهم وجدوا أنها تنقسم وأن بها عشرات الجُسيمات. المادّة السوداء أغرب أطواراً: «أرى العنقاء تكبر أن تُصادا». العلماء يريدون اصطياد العنقاء. عالمة أمريكية قالت: «لا تتركني المادة السوداء أنام». كل المادة المنظورة في الكون تشكل 5% فقط. نجوم سكّة التبّانة تحتاج إلى عشرة أضعافها لكي تكون كافية لدوران المجرّة. كذلك كل الكون. لولا وجود مادّة سوداء تشكّل الجاذبية لانفرطت النجوم في الفضاء ولم يتماسك شيء. هؤلاء العلماء العظماء من طينة مختلفة، فلا تربطهم رابطة بالخبثاء الاستراتيجيين، الذين يضعون أمامهم خريطة القارات، وينسفون بلداناً ويختلقون دولاً، يستولون عليها أو يهبونها بوعد، لا تهمّ ملايين القتلى والمشردين. أؤلئك للكنس كأن التاريخ سلال مهملات.
لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبية: المفارقة هي أن الغرب المتقدم هو أجلى صورة للقمة العلمية وقانون الغاب دوليّاً.

abuzzabaed@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى