قضايا ودراسات

أخطاء السلطة وخطايا «إسرائيل»

عاصم عبد الخالق

تعكس تصريحات مسؤولي السلطة الفلسطينية رفضاً صريحاً لما يسمّى بصفقة القرن التي تعدّها الإدارة الأمريكية، لتسوية القضية الفلسطينية والتي لم تعلن تفاصيلها رسمياً بعد. رفض السلطة يعني أن ما تسرّب إليها أو أُبلغت به أقل بكثير من مطالبها، ولا يلبي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وإذا سارت الأمور على هذا النحو ولم تحدث مفاجآت، فإن حظ الصفقة من التنفيذ لن يكون أفضل من سابقاتها من المقترحات الأمريكية. وسيصدر التاريخ يوماً حكمه على جميع الأطراف: من كان مخلصاً في محاولاته لصنع السلام، ومن تاجر به ووضع العراقيل أمام كل فرصه لتحقيقه.
غير أنه يوجد من لا ينتظرون حكم التاريخ ويبادرون برصد أخطاء كل طرف، وتقييم أدائه. وقد عرضنا في الأسبوع الماضي واحدة من هذه المحاولات، قام بها باحثان أمريكيان متخصصان في قضايا الشرق الأوسط، الباحثان هما دينس روس مبعوث السلام السابق في المنطقة، وديفيد ماكوفسكي، وقد عمل أيضاً بالخارجية الأمريكية، وكلاهما باحث في معهد سياسات الشرق الأدنى بواشنطن. حدد الباحثان أهم خمسة أخطاء ارتكبتها الأطراف الثلاثة. وقد عرضنا الأخطاء الأمريكية.
أما الأخطاء «الإسرائيلية» الخمسة، ففي مقدمتها بالطبع الاستيطان والذي تزايد بصورة ضخمة منذ اتفاق أوسلو 1993. وقتها كان عدد المستوطنين نحو مئة ألف، قفز حالياً لأكثر من 400 ألف ولا يشمل الرقم البؤر الاستيطانية في القدس التي لا تعتبرها «إسرائيل» مستوطنات. الخطأ الثاني هو فشل «إسرائيل» في دعم توجّه رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض. خلال وجوده واصلت إعاقة حركة الفلسطينيين، وشنّت غارات على الضفة. ما خلق شعوراً لدى الفلسطينيين بأن أسلوب فياض ببناء المؤسسات اللازمة للدولة غير ذي جدوى.
الخطأ الثالث هو خضوع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لليمين المتطرف، وبالطبع أذعن لأجندته. رابع الأخطاء هو رفضه تقديم أي تنازلات. ثم الخطأ الخامس ويسمّيه الكاتبان عدم الترويج للسلام. فلم يحاول نتنياهو أن يقنع شعبه بأن الانفصال عن الفلسطينيين سيوفر ميزة له، وأنه مهم ل «إسرائيل» إذا أرادت أن تظل يهودية. فعل نتنياهو العكس بإقناع «الإسرائيليين» أنهم يعيشون في مرحلة ما بعد الصراع، وأن إيجاد حل ليس مسألة وجودية.
أخيراً يعرض الكاتبان الأخطاء الفلسطينية الخمسة، وأولها أن السلطة ظلت دائماً تتعامل مع السلام ليس باعتباره عملية مصالحة، ولكن مجرد إنهاء للاحتلال. هذا التعريف حرم العملية من أي إغراء بالنسبة ل«الإسرائيليين» الذين اعتبروا أن السلطة تريد الأرض وليس السلام، وهذا دعم موقف اليمين المتطرف.
الخطأ الثاني من وجهة نظر الكاتبين، كان الانتفاضة الثانية، بعد فشل جهود الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في صيف 2000، ويعتبر الكاتبان أنها عرقلت مسيرة السلام. الخطأ الثالث كان إجبار فياض على الرحيل عام 2013، وهو خطأ يتحمّل مسؤوليته الرئيس محمود عباس، ويحمّلانه أيضاً مسؤولية الخطأ الرابع، وهو إضاعة أكثر من فرصة للسلام، أهمها مقترحات أوباما 2014 وعروض رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت 2008 ثم عدم تقديم مقترحات بديلة. الخطأ الأخير يسمّيه الكاتبان عدم فاعلية عباس داخلياً، لاسيما بعد حرب غزة 2014، فلم يحاول أن يساعد الفلسطينيين بالقطاع أو يكون له دور.
يقدّم الكاتبان هذه القائمة من الأخطاء لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكي تتجنبها، وهي تستعد لطرح أفكارها للسلام. المشكلة الحقيقية أن هذه الإدارة لم ترتكب فقط أخطاء أكثر بكثير من سابقاتها، بل ارتكبتها سريعاً جداً حتى قبل أن تطرح مبادراتها: تبنّت مواقف «إسرائيل» بلا تحفّظ، أظهرت عداء غير مبرر للفلسطينيين، حرمتهم من المساعدات، بما في ذلك الموجّهة للعلاج، نقلت سفارتها للقدس، أغلقت مكتب منظمة التحرير في واشنطن، تجنّبت إدانة الاستيطان، ولم تعتبره عقبة أمام السلام، خلافاً لكل الإدارات السابقة، تخلّت عن حل الدولتين. في ظل هذه الأجواء المسمومة، تتصوّر واشنطن أن بإمكانها وضع بذور السلام، فهل يعقل هذا؟

assemka15@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى