قضايا ودراسات

الانتخابات الأمريكية تحت مجهر العولمة

حسام ميرو

لاقت الانتخابات الأمريكية للكونجرس ومجلس الشيوخ، إقبالاً كبيراً من الناخب الأمريكي، وهو إقبال غير معتاد في مثل هذه الانتخابات، وقد وصف هذا الإقبال من قبل بعض المراقبين بأنه تصويت على الرئاسة نفسها، فقد أثار الرئيس دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض في عام 2016، عواصف كثيرة داخل السياسة الأمريكية، خصوصاً في تصريحاته الانفعالية، ومهاجمته للصحافة الأمريكية، وتبني نهج شعبوي في الخطاب، واستخدام تعابير عنفية لا تمت بصلة إلى عالم الدبلوماسية، وإثارة التحريض ضد اللاجئين. كما أن وصول الرئيس ترامب إلى الرئاسة، لا يزال، موضع شك من قبل الديمقراطيين، حيث تحوم شكوك حول تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية، دعمت فوزه، ضد منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.
لكن الاهتمام بانتخابات الكونجرس ومجلس الشيوخ، تعدّت في هذه الدورة نطاقها الأمريكي الداخلي، فقد لاقت هذه الدورة الانتخابية اهتماماً دولياً لافتاً، فهي في نظر حلفاء أمريكا التاريخيين، كما خصومها، استفتاء على نهج الرئيس ترامب في سياساته الخارجية، فقد اعتبر نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرانس تيمرمانس، أن الناخبين الأمريكيين «اختاروا الأمل بديل الخوف»، وربما كان هذا التصريح هو الأكثر تعبيراً عن رغبة بعض الحلفاء في أن تغيّر واشنطن/ ترامب سياساتها الخارجية.
يعوّل حلفاء واشنطن، كما خصومها، على أن يعرقل امتلاك الديمقراطيين للأغلبية في الكونجرس خطط الرئيس ترامب، وأن يؤدي الاصطدام الداخلي إلى إرباك الرئيس في الشؤون الداخلية، خصوصاً في ملف متابعة التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية.
الاستياء الأوروبي، وخصوصاً الفرنسي والألماني، من الرئيس ترامب، لا يتعلق فقط بآثار العلاقة بين الحليفين الاستراتيجيين، وإنما ثمة خشية متفاقمة من قبل الأحزاب اليسارية والديمقراطية في أوروبا من الخط السياسي الشعبوي الذي راح يتصاعد في أوروبا، مع وصول الرئيس ترامب إلى الحكم، فهناك توافق ظاهر بين دعوات ترامب الحمائية وبين دعوات اليمين الأوروبي، الذي يتبنى مواقف لا تقل حمائية وقومية عن مواقف الرئيس ترامب، وثمة تناغم في النبرة من اللاجئين، والدعوة لحماية الاقتصاد الوطني.
الحزبان الحاكمان في ألمانيا وفرنسا، يعتقدان أن أزمة السياسة الأمريكية باتت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وبأن مضي الرئيس ترامب في سياساته الخارجية من شأنه أن يؤدي إلى حالة انكماش في الاقتصاد الأوروبي، ومنذ عام على الأقل، تحاول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كبح المواقف الأمريكية، وهما يعولان على مواقف أكثر مرونة وتفهماً لدى الديمقراطيين، الذي سيشكل وصولهم إلى أغلبية الكونجرس حالة مصد داخلي، ضد سياسات الرئيس.
الصين ستكون مرتاحة تجاه حدوث مواجهات داخلية بين الكونجرس والرئيس ترامب، وعلى الرغم من قناعة الصين بأن الديمقراطيين والجمهوريين، على حدّ سواء، ينظران إليها على أنها الخطر الأكبر، لمكانة بلادهم المستقبلية، إلا أنها معنية بإبطاء سرعة التوجه الترامبي، وهو ما يسمح لها أن توثّق علاقتها بأوروبا أكثر، تجاه الاقتصاد العالمي، خصوصاً بعد الخطوات السريعة التي قام بها الطرفان، الصيني والأوروبي، خلال الأشهر الأخيرة، من خلال القمة الصينية – الأوروبية، التي عقدت في 16 و17 يوليو/ تموز الماضي، والتي شهدت طرح خطط للتعاون المشترك في أوروبا وآسيا.
لقد أدى التسارع العولمي، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إلى تصادم بين القوى الدولية، وجد تعبيراته المباشرة في السنوات الأخيرة، فروسيا على الرغم من استفادتها الكبيرة من أسعار النفط، والتي مكّنتها من إعادة هيكلة المؤسسات الداخلية، بما فيها مؤسسة الجيش، إلا أنها لم تستطع الانخراط في منظومة الإنتاج العولمي، ولا تزال غير قادرة على تقديم سلع معولمة بالكفاءة الأمريكية والأوروبية والصينية والآسيوية (اليابان وكوريا الجنوبية تحديداً)، وفي الوقت ذاته، فإن الصين على الرغم من سرعتها في زيادة حصتها في سوق العمل الدولي، لكنها لا تزال متأخرة عن القدرات العسكرية الأمريكية، والتي تسهم في حفاظ أمريكا على جغرافيات اقتصادية واسعة، ليس فقط عبر منتجاتها العولمية، وإنما، بشكل أساسي، من خلال قدراتها العسكرية.
إن انعدام التوازن بين العولمة والسياسات الدولية، يجعل المخاوف أكبر من الآمال، وهو ما يجعل لاعبون كُثر يعولون على سياسات أمريكية أكثر توازناً، وبالتالي فإن الاهتمام الدولي الكبير بالانتخابات الأمريكية، هو اهتمام فعلي بعدم إحداث خلل في مصالح اللاعبين الدوليين، أو الوصول إلى مواجهات خطرة على الجميع.

husammiro@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى