قضايا ودراسات

فرصة أخرى لحل الأزمة الليبية

محمود الريماوي

ينتظر الليبيون فرصة جديدة لوضع الأزمة الطاحنة لبلادهم على طريق الحل، وذلك مع الانعقاد المقرر لمؤتمر دولي حول ليبيا تستضيفه مدينة باليرمو في إيطاليا ابتداء من اليوم 12 نوفمبر. دول إقليمية ودولية عدّة أعربت عن مشاركتها في هذا المؤتمر، وذلك بعد نحو ستة أشهر على مؤتمر مماثل استضافته العاصمة الفرنسية، وبرعاية الرئيس مانويل ماكرون. مؤتمر باريس في مايو الماضي جمع رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، فايز السراج، والقائد العسكري لجيش ليبيا الوطني خليفة حفتر. وقد انتهى ذلك المؤتمر الذي شارك فيه المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة إلى التوافق على عقد انتخابات برلمانية ورئاسية في العاشر من ديسمبر المقبل. لكن الاتفاق لم يحظ بدعم دولي من طرف واشنطن وموسكو، من جهة، ووجه بمواجهات مسلحة وصلت إلى العاصمة الليبية طرابلس من جهة ثانية. وقد خرج قبل أيام المبعوث الأممي بتصريحات، أفاد فيها بأن الانتخابات أرجئت إلى ربيع العام المقبل، على أن يسبقها عقد مؤتمر وطني جامع على الأراضي الليبية. وأبدى المبعوث تذمّره الشديد من تدهور الأوضاع وانسداد الآفاق السياسية حتى الآن، ناعياً على التدخلات الخارجية دورها السلبي فيما آل إليه الوضع الذي لم يشهد تحسناً يُذكر على مدى سبع سنوات عجاف.
وحسب التقارير الإعلامية المتواترة، فإن مؤتمر باليرمو سوف يضم شخصيات رفيعة من مسؤولي دول العالم، بما يمثّل أول نجاح له. لكن هذا النجاح يبقى أولياً وشكلياً، إذا لم يحزم الليبيون أمرهم بالتوصل إلى تسوية داخلية تستنهض الدولة المغيبة، وتقيم المؤسسات الدستورية ومرافق الدولة المختلفة، وتضع حداً لتعدد مراكز القرار، وكذلك لتعدد الجيوش.
وبينما يصوّر ناشطون ليبيون، وربما كانوا على حق، انعقاد مؤتمر إيطاليا على أنه يعكس تنافساً بين فرنسا وإيطاليا على النفوذ في بلدهم، إلا أن ما لا يعترف به كثير من الفرقاء الليبيين، هو أن الصراع الليبي الداخلي هو الذي يمثّل الخطر الأكبر على البلاد والعباد، وهو الذي يستدرج التدخلات الخارجية، ويوفّر بيئة لها، وهذا الصراع هو الذي يستنزف الثروات. وقد لاحظ المبعوث الأممي أن ثروة النفط الليبي للنصف الأول من العام الجاري بلغت 13 مليار دولار، فيما يشكو أغلبية الليبيين (من أصل 7 ملايين نسمة) من العوز والفقر، وتقهقر الخدمات وانعدام الأمن.
ويراهن كثيرون على مشاركة ليبية واسعة تضم ممثلي المؤسسات المتنافسة وأطراف النزاع الرئيسيين في المؤتمر، تؤدي إلى أن يبسط هؤلاء رؤاهم حول المخارج الصالحة لأزمة بلادهم، ابتداء من توحيد القوى المسلحة ودمجها في قوات وطنية وبناء قوة أمن شرطية، وتأمين فرص النجاح لمقترح المبعوث الأممي بعقد مؤتمر وطني جامع، يفضي إلى وقف إطلاق نار شامل، باستثناء الحرب على بقايا «داعش» الإرهابية وكل من يرتبط بها، وتوحيد البنك المركزي الليبي، وصولاً إلى تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية برعاية دولية.
إن الصراع الداخلي في جانب كبير منه، يدور حول السلطة وحول موارد البلاد، وقد نجم هذا الصراع أساساً بسبب الفراغ الذي خلّفه حكم القذافي على مستوى المؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية وإدارة الموارد، وذلك نتيجة تمحور السلطات بيده. كما نجم بعدئذ عن تعدد الميليشيات والجيوش التي تستحوذ على حصة كبيرة من الموارد، وتسلل مجموعات إرهابية إلى هذا البلد، وهو ما هيأ الفرصة للتدخلات الخارجية. علماً أن بلد عمر المختار ربما كان يحتاج إلى «تدخل» من نوع آخر وبتفويض أممي متفق عليه، تدخل إيجابي بتشكيل قوة حفظ سلام، تضم دولاً عربية وإفريقية ودولية تحمي المدن وحقول النفط والموانئ والمطارات وسواها من مراكز حيوية، هذا إذا ما عزّ على الليبيين رغم كل ما حدث، الاتفاق على كلمة سواء ما بينهم، تنقذ بلادهم من التشظي ومن ازدواجية السلطات والمؤسسات والجيوش. علماً أن هذا الحل قد لا تتحمّس له كثرة من دول العالم، فلا أحد يطمح بالحضور وسط الفوضى التي تضرب أطنابها، وحيث تتحدّث تقارير منها ما هو منسوب للمبعوث الأممي بأن في أيدي الليبيين 24 مليون قطعة سلاح! وأياً كان مدى دقة هذا الرقم، فمن الواضح أن البلد تحوّل إلى غابة سلاح، وفقد مقوّمات الحياة الطبيعية.

mdrimawi@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى