قضايا ودراسات

مطر يقيل الوزراء

ابن الديرة

يحلم محمود درويش بعيداً، فيذهب به خياله الصافي إلى مطر خفيف لا يبلل إلا البعيدات، ويتجسد مطر السباب ذاكرة قديمة، جديدة، متجددة، في الذاكرة العربية، فيردد الكلمة السحرية ثلاثاً: مطر مطر مطر، رابطاً بين المطر الذي يستعاد كثيراً في قصيدته الشهيرة وعنى العراق المطل على خليج اللؤلؤ والمحار والثروة، وحالة الجوع التي كان يعيشها العراق: ما مر عام والعراق ليس فيه جوع (ترى أما زال؟).
في حالة العراق وجهة نظر تتعدد، لكن قصيدة المطر العربية تتحول في هذا الزمن من الرومانسية إلى العذاب، ومن الغزل إلى الرثاء والهجاء. المطر في عديد دول عربية دليل مأساة وبرهان تقصير، وفي الأردن استقال وزيرا التربية والتعليم والسياحة، وفي الكويت استقال وزير الأشغال العامة، فمن ذا يكتب قصيدة المطر العربي الجديد الذي من هواياته المفضلة إقالة الوزراء. ربما استقال الوزراء من تلقاء أنفسهم كما أعلن، أو كما يعلن في العادة، وربما أقيلوا في الفعل المبني للمجهول المعلوم يقينا، لكن الدلالة المطرية هنا عاصفة بما يكفي لكشف حالة غير طبيعية من واقع عربي يتأرجح بين الشعور، ربما، بمسؤولية تجاه التقصير، مسؤولية فردية ومجتمعية، وبين حالة من الإهمال متأصلة تتكشف، ويا للمصادفة أو المفارقة، تتكشف فصولاً أمام مطر الشتاء المفاجئ.
حالة الإمارات، لجهة المطر، غير حالة الأردن والكويت وغيرهما، لكن حالة الإمارات المطرية أحوج ما تكون إلى المراجعة، حيث خلل توصيل الأفكار والأخبار، وحيث ما يعلن إنما يعلن على حين بغتة على غير عادة الدول المتقدمة، والإمارات، والحمد لله، في صميمها، خصوصا لجهة البنية التحتية المتقدمة، وكان ذلك في وعي الحكومة، حتى حلت وزارة تطوير البنية التحتية محل وزارة الأشغال السابقة.
لذلك، ولأكثر وأغزر منه، ارتبط مطر الإمارات بالخير حتى سمي مطر الخير، وتردد ذلك في كلمات وقصائد القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أو زايد الخير، وكأنه مطر السماء يأتي إلى الأرض فيجيبها ويزيدها خصوبة واخضرارا.
لكن ماذا عن المطر الذي يقيل الوزراء؟ بشائر ظاهرة عربية عليهم القبض على لحظتها كما يقبضون على الجمر: المقصر يودع تاركا المجال لغيره ولمن يستطيع، وفي ذلك شعور بالمسؤولية وصون للكرامة، وقد لا يكون الوزير مسؤولاً مباشرة، لكنه حس المسؤولية، فاللهم أكثر منه.. قولوا معي آمين.
وللمقصر أن يشعر بتقصيره وهو يراقب أداءه في زمنه الاعتيادي، قبل موسم المطر، وقبل موسم المحاسبة، فقد يصيب البرق والرعد الضمير أولاً، فتكون يقظة الضمير، وبذلك يتحول ضمير الإنسان إلى حائط ضد أول، وإلى معنى وصرخة ونداء.
وليس الوقت وقت محمود درويش ومطره الخفيف الذي لا يبلل إلا البعيدات. الزمن لمطر السياب الذي ظل أكثر من خمسين عاماً معلقاً في أقصى الرأس وكأنه ذاكرة في القميص الأحمر تتهيأ يوميا للإعدام، والزمن لذلك المطر الثقيل الذي يأتي متقدماً جحفل الخوف، وهوايته المفضلة إقالة الوزراء.

ebnaldeera@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى