قضايا ودراسات

«أمركة» أوروبا.. «أوربة» أمريكا

د. حسن مدن

رغم أن إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، بدا متراجعاً عن تصريح سابق له حول ضرورة تأسيس جيش أوروبي لحماية أوروبا، لكن هذا التراجع، الذي يبدو تكتيكياً، لن يقلل من أهمية التصريح نفسه، خاصة أن ماكرون لم يكتف بذكر روسيا والصين كأعداء مفترضين لأوروبا في نطاق تنازع النفوذ في العالم، وإنما أضاف إليهما الولايات المتحدة. وهذا، في حدود ما نعلم، أول تصريح لزعيم أوروبي يضع أمريكا في خانة الأعداء المحتملين للقارة الأوروبية.
«تراجع» ماكرون جاء بعد لقاء جمعه والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يزور فرنسا لحضور الاحتفال بمئوية الحرب العالمية الأولى، واستبق ترامب وصوله للعاصمة الفرنسية بتصريح على حسابه في «تويتر»، كعادته، عبّر فيه عن استيائه الشديد من تصريح ماكرون، قائلاً إنه شعر بالإهانة الشديدة منه.
أتى «التراجع» في صيغة وعدٍ قدّمه ماكرون لترامب بأن يعمل على أن تدفع أوروبا أكثر في تحمل نفقات حلف شمال الأطلسي، وهو أمرٌ ما انفك ترامب يطالب به علناً، قائلاً: «نريد أن نساعد أوروبا لكن عليها أن تكون عادلة. الإسهام حالياً في العبء يقع بشكل كبير على الولايات المتحدة».
دعوات، لا بل ضغوط، ترامب هذه هي ذاتها التي جعلت الأوروبيين يصحون من غفلتهم، فالولايات المتحدة التي ركنوا إلى دعمها الأمني والعسكري منذ الحرب العالمية الثانية، بلغت، في عهد ترامب، مرحلة وضعتهم أمام تحدٍ لم يخالوا أنهم سيبلغونه يوماً: إما أن تدفعوا أو أننا سنتخلى عن حمايتكم. وهو ما حمل أبرز القادة الأوروبيين، وبشكل خاص ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل، على التفكير بصورة جدية في مسألة أن يكون لأوروبا منظومة دفاعها وأمنها الخاصة بها، كي لا تبقى مرتهنة للابتزاز القادم من وراء الأطلسي.
الحق أن «الحماية» الأمريكية لأوروبا جاءت إحدى نتائج الحرب العالمية الثانية التي خرج الاتحاد السوفييتي منها وهو أكثر قوة ونفوذاً، بسبب دوره الحاسم في هزيمة هتلر، حيث امتدّ نفوذه في شرق أوروبا حتى بلغ ألمانيا نفسها، وكانت غاية حلف الأطلسي الأساسية هي مواجهة ما حسبه الأمريكان وحلفاؤهم في غرب أوروبا تهديداً «أحمر» قادماً من الشرق الأوروبي.
لم تتغير عقيدة الأطلسي من حيث الجوهر، فالعين ظلت مصوبة نحو موسكو، لكن ما قاله ماكرون يضع جناحي الحلف أمام تحدٍ يبدو جديداً يتطلب تسوية من نوع ما لضمان بقائه فعّالاً، فإما أن «تتأمرك» أوروبا أكثر، أو «تتأورب» أمريكا أكثر.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى