قضايا ودراسات

منتدى باريس وعبرة الحرب

مفتاح شعيب

كشف الاجتماع الدولي الضخم في باريس إحياء لمئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى أن العبرة من تلك الكارثة العظمى لم تكتمل، بدليل تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من تنامي النزعات القومية والانعزالية والرغبة في الهيمنة، ونبه إلى أن «الشياطين القديمة مستعدة لنشر الفوضى والموت»، موجهاً جانباً من رسائله إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تغيب عن افتتاح «منتدى باريس للسلام»، رغم وجوده في فرنسا.
في منتدى السلام، لم يكن صوت ماكرون وحده الذي يترجم الخوف من المستقبل، بل إن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش كان أكثر صراحة، حين حذَّر من أوجه شبه بين ما يعيشه العالم اليوم ومطلع القرن العشرين وثلاثيناته، تُنذر بخطر «حصول أحداث لا يمكن التكهّن بما يمكن أن ينجم عنها»، وتعبر هذه الريبة عن سلسلة من توجهات خاطئة وسياسات تخون منجزات المجموعة الدولية على مدار العقود الماضية، وتهدد بجر العالم إلى أتون الصراعات. فلم يعد خافياً التباين الأوروبي الأمريكي حول عديد المفاهيم، فما تراه إدارة ترامب في واشنطن «نهجاً جديداً» تعتبره باريس ومعها أغلب دول الاتحاد الأوروبي مخالفاً للأعراف والقيم الأخلاقية التي بنيت عليها العلاقات الدولية مؤخراً. وبالمختصر، فقد أظهر الاجتماع الدولي في باريس فجوة كبيرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كثيراً ما اعتبره «تهديداً»، أقرب إلى الروح الأوروبية ومنفتحاً على عالم متعدد الأقطاب وليس من المؤمنين ب «بلدي أولاً»، مثلما يفعل ترامب.
عندما حث الرئيس الفرنسي شركاءه على ضرورة بناء جيش أوروبي حقيقي يواجه روسيا والصين والولايات المتحدة، لم تكن هذه فكرته فحسب، بل هي قناعة أوروبية عامة وفرنسية بالأساس، وهي واحدة من أحلام الرئيس الأسبق جاك شيراك، وقبله الزعيم شارل ديغول، وأسبابها تعود إلى أن الأوروبيين لا يريدون أن يكونوا دائماً مساعدين للفاعل الحقيقي أو هدفاً لفاعل آخر، بل يريدون أن يكون لهم دور مستقل.
بعد الحرب العالمية الأولى اتفقت الأطراف المنتصرة والخاسرة على وضع معاهدة في قصر فرساي قرب باريس، أصبحت تسمى تاريخياً «معاهدة فرساي»، ولكن تلك المعاهدة التي زعمت أنها أنهت الحرب هي من زرعت بذور الحرب العالمية الثانية التي كانت كارثة شنعاء مقارنة بالأولى. وما جرى في «منتدى باريس» قبل يومين لم يؤسس لحرب جديدة، وإنما طرح المحاذير والمخاوف، فالصراع العنيف ليس مستبعداً بين الدول حتى وإن كانت في مرحلة ما حليفة وقاتلت معاً. وحين سئل البرت اينشتاين في أواسط القرن العشرين عن نتيجة حرب عالمية ثالثة قد تقع، أجاب:إنه «لا يعلم ماذا سيحصل، ولكن بالتأكيد إن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة»، وهي مقولة نسيها كثيرون، ولكن دلالاتها باتت أقرب إلى واقع اليوم مما سبق من تحذيرات.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى