قضايا ودراسات

ماكرون حارس البوابة

فيصل عابدون

وصفه محللون بأنه حالم في عالم تسوده الخشونة وتحكمه حسابات القوة والنفوذ. كما انتقد كثيرون حداثة سنه وقلة خبرته في حقل السياسة باعتبارهما نقطة ضعف، ونذيراً بتراجع الدور والنفوذ الفرنسي على الخريطة الدولية. لكن الرجل خيب توقعات المتشائمين، ليبرز نجمه بقوة على مسرح السياسة الداخلية والعالمية. وتمكن بسرعة من تولي مهمة حارس بوابة الاتحاد الأوروبي اعتماداً على مثابرته في طرح قضايا القارة ودعمه غير المشروط لمبدأ أوروبا قوية ومستقلة.
ويدرك الرئيس الفرنسي الشاب بلا شك أن بلاده كانت بوابة العبور لجيوش الغزاة في الحربين العالميتين، وربما يكون هذا الإدراك وراء تصريحاته التي استبق بها مراسم إحياء الذكرى المئوية للحرب الكونية الأولى ودعا خلالها إلى بناء جيش مستقل يدافع عن أوروبا ضد الصين وروسيا وحتى ضد الولايات المتحدة.
تلك التصريحات التي أثارت غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووصفها بأنها مهينة، كانت مقصودة تماماً، فالتاريخ يعلمنا أن التحالفات متغيرة ومتحولة وأن الحرب لا تستأذن أحداً.
نعم يظل الخطر ماثلاً بالنسبة للزعماء ذوي النظرة التاريخية والتحليلات الثاقبة، وتظل مبادئ بناء القوة العسكرية والتحالفات الإقليمية أمراً في غاية الأهمية. وليس غريباً أن فرنسا التي اجتاحتها الجيوش الألمانية في بداية الحرب العالمية الثانية هي اليوم الحليف الأقرب لألمانيا، بينما يتحسب ماكرون من عدوان دول كانت صديقة وحليفة مثل الولايات المتحدة أو محايدة مثل الصين.
وأظهر الرئيس الفرنسي منذ وقت مبكر أن بناء التحالفات الإقليمية ليس كافياً، لذلك كانت زياراته إلى مناطق النفوذ الفرنسي القديمة في إفريقيا، خطوات لاستعادة الثقة وتعزيز النفوذ، وهي خطوات طموحة ولا تنقصها الشجاعة أيضاً.
مضت فرنسا قدماً في تشكيل قوة عسكرية مشتركة لدول الساحل الإفريقي مخصصة لمكافحة الإرهاب. وانخرط ماكرون في جهود حل الأزمة الليبية وطرح وساطته عبر مؤتمر باريس الذي جمع رئيس الحكومة المؤقتة فايز السراج مع قائد الجيش المشير حفتر. ورغم التعثر الذي لازم مبادرة إنشاء القوة المشتركة خاصة لجهة التمويل والتسلح، والإخفاق في جهود تسوية النزاع في ليبيا والفشل في تحقيق البنود التي توافق عليها الفرقاء خاصة قضية الجدول الزمني للانتخابات، إلا أن فرنسا نجحت في فرض وجودها لاعباً أساسياً في نزاعات القارة ومعالجة قضاياها الحيوية.
أثبت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال فترة ظهوره القصيرة أنه ليس حارساً للبوابة الأوروبية فقط، لكنه أيضاً مدافع عنيد عن القيم الأخلاقية التي احتكم إليها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي باتت مهددة حالياً بالموجة الشعبية الطاغية.
وقد دعا حشد الزعماء المجتمعين في باريس في مئوية الحرب العالمية الأولى، إلى توحيد الآمال بدل المخاوف المتبادلة ونبذ ثقافة الانطواء والعنف والهيمنة. امتدح الصداقة بين فرنسا وألمانيا والوحدة الأوروبية التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً. وندد بالموجة القومية الصاعدة. كان حارس بوابة أوروبا يمدد نظره إلى العالم بأسره وهو يحدث الزعماء عن مآسي الحرب وفرص السلام.

Shiraz982003@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى