قضايا ودراسات

ياسر عرفات

د. حسن مدن

أبلغ تعبير سمعته في وصف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، بمناسبة مرور الذكرى الرابعة عشرة لرحيله، هو أنه الرجل الذي اختلف معه الكثيرون لكنهم لم يختلفوا عليه، فكانت زعامة عرفات لمنظمة التحرير الفلسطينية وللشعب الفلسطيني بأكمله محل إجماع وطني.
ولا أتردد في وصف ياسر عرفات ب«الشهيد»، لتواتر المعلومات حول ملابسات مرضه ثم موته، والتي تشير إلى أنه جرى تسميمه بصورة من الصور، وأن المخابرات «الإسرائيلية» متورطة في ذلك، ربما بمعونة عملاء لها.
ورغم أن عرفات أبدى مرونة سياسية في التفاوض بغاية بلوغ حل ينهي معاناة شعبه، لكنه وضع خطوطاً حمراً لم يسمح بتجاوزها، فكان أن عاقبه الصهاينة بحصاره الطويل في مبنى المقاطعة برام الله، حتى غادرها مريضاً، ليعود جثماناً إلى فلسطين، ويوارى الثرى في أرض المبنى نفسه.
أذكر أن الشاعر الراحل محمود درويش الذي كان محل تقدير خاص من عرفات قال بعد رحيله ما معناه، وفي حدود ما تسمح به ذاكرتي اليوم: إن زعامة عرفات الكاريزمية لن تعوض، وهذه الزعامة هي التي تشفع له ما قد يكون فيه من أخطاء، وإن الحل بعده هو في تعزيز دور المؤسسة، فلا أحد من بعده قادر على أن يغطي المساحة الرمزية التي كان يحتلها.
وافق محمود درويش على أن يصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تحت إلحاح من عرفات نفسه، رغم أن درويش كان يرغب أن يؤدي دوره في خدمة شعبه من موقعه كشاعر ومثقف لا كسياسي، وحين وقّعت القيادة الفلسطينية على »اتفاقية أوسلو« الشهيرة استقال من منصبه. وأذكر أني سمعته يقول في حوار تلفزيوني معه إن «أوسلو» حلت مشكلة كوادر منظمة التحرير الموجودين في المنافي بأن أتاحت لهم العودة، لكنها لم تحل القضية الفلسطينية ولن تحلها.
حين اصطدم عرفات بالتعنت «الإسرائيلي» في تطبيق بنود «أوسلو» نفسها، اختار المواجهة، ورفض الانصياع للابتزاز الصهيوني – الأمريكي فكان ما كان، ولو أن القيادة الفلسطينية واصلت هذا النهج من بعده، لما أضاعت كل هذا الوقت في الرهانات الخاسرة لتصطدم بحاجز التعنت نفسه وبصورة أشد وقاحة وعنجهية، فيما لم يبق من أراضي الدولة الفلسطينية المفترضة إلا أقل القليل غير مطوق بالمستوطنات «الإسرائيلية».

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى