قضايا ودراسات

زرد الظهر الفلسطيني

يوسف أبو لوز

.. ما بها شجرة الشعر الفلسطيني؟، وأي خريف يساقط أوراقها في أرض الذهب البرتقالي..
كان محمود درويش يملأ العالم باسم فلسطين المجازي والرمزي والواقعي حين حولها من أرض إلى خريطة، ومن خريطة إلى أطلس، ومن أطلس إلى عالم، وإلى جواره نصفه الشعري والوطني الآخر.. سميح القاسم.. الذي كان شوكة في حلق الاحتلال «الإسرائيلي»، الذي يراهن دائماً على تفتيت الهوية الفلسطينية باللعب على ورقة الأصول والمرجعيات والقوميات، لكن الفلسطيني يكثّف معناه دائماً إلى معنى العائلة أو البيت، وعندما تحول بيته إلى منزل في هجراته ومنافيه وترحالاته استعار من المنزل صفة البيت، لكي يبقى على قيد الحياة، وإن مات، فليدفن في المعنى.. معنى البيت، ومعنى المنزل، ومعنى العائلة.
ما بها شجرة الشعر الفلسطيني؟، وأي خريف يساقط أوراقها؟.. كان محمد القيسي مشاء الحياة، ومشاء الشعر.. من قريته «كفر عانة» إلى طرقاته التي أخذته إلى الكويت، والدمام، وبيروت، ولندن، وتونس، كأنما كان يمشي ويمشي، ليصل، رمزياً، إلى رام الله، أو نابلس، أو الخليل، أو القدس، أو أريحا في أكثر مناطق العالم انخفاضاً بالقرب من البحر الميت، وفيما، مات البحر، ظلت أريحا على قيد الحياة.
.. وبما أن التداعيات الفلسطينية أخذتنا إلى أريحا، فيمكن التأمل قليلاً في اسمها الشعري، وليس التاريخي أو الأسطوري.
.. هل أخذت مدينة أريحا الفلسطينية المنخفضة اسمها من رائحة أشجار الليمون والبرتقال والموز والمانجا.. ثم كان المكان شجرة له رائحة طيبة، فأصبحت الشجرة.. مدينة؟.
في حالة الحنين إلى مدن المهاجرين الفلسطينيين تتضخم هذه الحالة عندهم إلى درجة أن تصبح خيالاً، بحيث يضفي الفلسطيني على نفسه حالة المؤلف الأسطوري، حتى لو لم يكن لديه ما يثبت صحة أو دقة هذه الأسطورة، ولا أدري إن كان من حقه هذا الفلسطيني الذي يموت بالجملة والمفرد والجمع إلى اليوم من الطفل إلى الكهل.. أن يتخيل، وأن «يؤسطر» نفسه،.. وأن يحلم.
.. ما بها شجرة الرسم الفلسطينية.. وأي خريف يساقط أوراقها؟
.. احتفظ إسماعيل شموط ببلاده فلسطين على شكل لوحة مرسومة باتساعات كبيرة عادة، كما، لو أنه يريد، رمزياً، أن اللوحة.. لوحته، هي بيته، وهي منزله، وهي هجرته، وهي منفاه..
.. كشكل من أشاكل التعويض عن وطن محتل.. لكن شعبه بالمعنى الثقافي لم يجر احتلاله حتى اليوم منذ أكثر من ستين عاماً..
.. ما بها أشجار فلسطينية.. يساقطها الخريف:.. ناجي العلي، إميل حبيبي، غسان كنفاني، إدوارد سعيد،.. وإلى آخر الزرد الظهري الفلسطيني الذي يبدو، كما لو إنه، منحنياً اليوم..

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى