قضايا ودراسات

«إسرائيل» تأخذ ولا تعطي

جيمس زغبي*

بقدر ما أستطيع أن أتذكر الماضي، كان «الإسرائيليون» يسعون دائماً إلى أن يعترف العالم العربي بهم ويقبلهم، ولكن من دون أن يعطوا أي شيء في المقابل.
كثيراً ما كان «الإسرائيليون» يجادلون بأنه إذا اعترفت الدول العربية ب «إسرائيل» كدولة طبيعية في الشرق الأوسط، فعندئذ سيشعرون بأنهم آمنون، ما يسهل التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين.
وفي عام 2002، سعى ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبدالله لاختبار التزام «إسرائيل» بتحقيق سلام شامل يؤدي إلى اعتراف العالم العربي وقبوله بها، فأطلق مبادرة السلام العربية. وتلك المبادرة، التي تبنتها الجامعة العربية بالإجماع، تضمنت العناصر التالية:
إذا قبلت «إسرائيل» انسحاباً كاملاً من الأراضي المحتلة إلى حدود ما قبل حرب يونيو/حزيران 1967، وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، ووافقت على حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فعندئذ سوف تعتبر الدول العربية أن النزاع العربي – «الإسرائيلي» قد انتهى، وتوقع اتفاقية سلام شامل مع «إسرائيل»، وتقيم علاقات طبيعية معها.
وكان رد «إسرائيل» تكذيباً لادعائها بأنها ترغب في إيجاد حل سلمي وعادل للنزاع؛ إذ رفضت مبادرة السلام العربية بصورة متكررة، وأصرت على أن توافق الدول العربية على تطبيع العلاقات معها من دون شروط مسبقة.
وإضافة إلى هذا الموقف «الإسرائيلي»، أخذ مسؤولون كبار في الإدارات الأمريكية المتعاقبة يحثون القادة العرب على أن يقلبوا مبادرة السلام العربية «رأساً على عقب»، بحيث يبادرون أولاً إلى الاعتراف ب «إسرائيل»، وإقامة علاقات طبيعية معها. وكانت حجتهم أنه إذا ضمنت «إسرائيل» أمنها، فسوف تصبح أكثر انفتاحاً على حل وسط مع الفلسطينيين.
غير أننا كنا نرى، المرة تلو الأخرى، أدلة واضحة على أن هذا الطرح ليس صادقاً: إذ إن التطبيع مع «إسرائيل» لن يستتبعه سلام، بل سوف يشجع «إسرائيل» على تثبيت ضمها لأراضٍ فلسطينية. وفي كل مرة كان العرب يقدمون تنازلاً إلى «إسرائيل»، كانت «تضعه في جيبها» وترفض إعطاء أي شيء في المقابل – بل تواصل المطالبة بمزيد من التنازلات.
وكمثال على ذلك، خلال الاستعدادات لمؤتمر مدريد للسلام (1991)، اقترحت إدارة جورج بوش على الدول العربية أن تقدم «تحلية» إلى «إسرائيل» تشجعها على أن تكون «أكثر استعداداً للتفاهم». وتلك «التحلية» كانت تعني أن يوافق العرب على إنهاء مقاطعة الشركات والكيانات التي تتعامل تجارياً واقتصادياً مع «إسرائيل». وفي المقابل، سوف تضغط الولايات المتحدة على «إسرائيل»؛ لكي تقبل «تجميد الاستيطان» في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ووافق العرب على ذلك، ما أدى إلى انعقاد مؤتمر مدريد للسلام (1991). ولكن الاستيطان لم يجمد قطّ
وأتذكر أنني قمت في العام 1994 بأول رحلة إلى «إسرائيل»/فلسطين مع وفد من قادة أعمال أمريكيين عرب وأمريكيين يهود بصفتي رئيساً مشاركاً ل «بناة السلام» – المشروع الذي أطلقه نائب الرئيس الأمريكي آنذاك آل جور. وخلال الزيارة، شاهدت أدلة مرئية على انتهاك «إسرائيل» لما توصل إليه مؤتمر مدريد. فعندما أمضينا ليلتنا الأولى في تل أبيب، أعرب أحد الأعضاء اليهود في الوفد عن إعجابه بلوحات إعلانية تروج لشركات كورية ويابانية لديها أعمال في «إسرائيل»، وقال إنه قبل بضع سنوات فقط، ما كان يمكن رؤية مثل هذه اللوحات.
وفي اليوم التالي، وبينما كنا نتوجه إلى رام الله، شاهدنا ورشات بناء مستوطنات على تلال إثر تلال. وعندما علقت على ذلك، أجاب عضو أمريكي يهودي في الوفد بالقول إن هذا ليس توسعاً استيطانياً، بل هو «مجرد نمو طبيعي» للمستوطنات القائمة أصلاً.
كل هذه الأمثلة، وكثير غيرها، يوضح تماماً أن «الإسرائيليين» لم يتعاملوا قطّ بحسن نية مع العالم العربي، خصوصاً مع الفلسطينيين. إنهم يأخذون، ولكنهم لا يقابلون عملاً بمثله.
ولهذا أقول: «لا تنخدعوا. التطبيع لن يستتبع السلام، وهو بالتأكيد لن يعيد إلى الفلسطينيين حقوقهم».

* أكاديمي أمريكي عربي أسس ويترأس المعهد العربي الأمريكي. موقع «لوب لوغ»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى