قضايا ودراسات

من وحي منتدى باريس

د. حسن مدن

من حيث خطّط المنظمون لمنتدى باريس المقام بمناسبة الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى أو لم يخططوا، وجد المنتدى نفسه أمام السؤال الكوني الكبير: إلى أين تذهب أوروبا، ومعها العالم كله؟، أإلى مزيد من التعصب والنزعات القومية المتطرفة حد الشوفينية، أم إلى توسيع دائرة التعدديات الثقافية والسياسية، وقبول ما في هذا العالم من تنوع؟
وهذا ما يترتب عليه اجتراح الديناميكيات القادرة على تنظيم هذا التنوع، وعلى أن يكون عامل إثراء لقيم العيش المشترك والتسامح، وهو أحد الدروس البليغة المستخلصة لا من الحرب العالمية الأولى وحدها، وإنما من الحرب العالمية الثانية التي تلتها، ومن مجموع الحروب والنزاعات الدامية المتتالية.
ومع أن العالم وقف مراراً أمام هذا السؤال المفصلي في نهاية كل حرب، وأجمع لاعبوه الكبار على أن تكون تلك هي آخر الحروب، لكن هذه النوايا سرعان ما تصطدم بالمصالح وصراعات النفوذ التي لا تأبه بالأخلاق والقيم، ولا يتورع المستفيدون من شن الحروب عن اقتراف أبشع الجرائم وهم يخوضون الصراع من أجل تحقيق الغلبة.
رئيس الدولة الأكبر والأقوى في العالم دونالد ترامب، وفي رسالة مملوءة باللامبالاة والتجاهل، آثر أن يركب طائرته عائداً إلى واشنطن وقت بدء المنتدى، ولسان حاله يقول: لا حاجة لي لسماع كل اللغو الذي سيردد في جلساتكم، فأنا سأفعل ما أرغب فيه.
هذا السلوك أثار غيظ واستهجان حلفائه الأوروبيين. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ندّد في خطابه بمن يثيرون النوازع القومية للإساءة إلى الآخرين، واصفاً ذلك بأنه خيانة للقيم الأخلاقية، لكن الرسالة الأبلغ جاءت في الكلمة الافتتاحية للمنتدى، التي ألقتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي حذّرت من أن النزعة القومية ضيقة الأفق ما زالت تكتسب أرضاً في أوروبا وما وراءها.
وأكّدت ميركل أن معظم التحديات اليوم لا يمكن أن يحلها بلد واحد؛ ولذا نحن بحاجة إلى منهج مشترك، فإذا لم تُجدِ العزلة نفعاً قبل مئة عام، فكيف بها اليوم في مثل هذا العالم المترابط؟
أقوال ميركل هذه لا تروق ليس فقط لترامب، وإنما أيضاً لليمين المتطرف في بلادها، حيث أتاها النقد من زعيم حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الذي أبدى احتجاجه حتى على مجرد مشاركة ميركل في احتفال فرنسا؛ كونه احتفاء بالمنتصرين، وكون ألمانيا خسرت هذه الحرب فإن مشاركتها في احتفال الحلفاء السابقين ترقى إلى محاولة لإعادة كتابة التاريخ.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى