قضايا ودراسات

أعظم الجهود

شيماء المرزوقي

من أقدم ما سعى الإنسان لتحقيقه، إيجاد الأدوية التي تعالج الأمراض التي تصيبه، بل تعد عملية التداوي بالأعشاب واستخلاص الأمصال من عروق الأشجار والنباتات من أقدم ما احترفه الإنسان على مر التاريخ البشري. ولا غرابة؛ فالتطبيب والتداوي ممارسة نابعة ونتاج عن الحاجة الحياتية ولم تكن نتاجاً للتطور والتقدم.
لذا يعتبر البعض من العلماء الطب من أول العلوم التي سعى الإنسان لاكتسابها وفهمها، لذا لا غرابة عندما يقال إن الطب من أقدم المهن بالإضافة إلى الزراعة والصيد والاحتطاب والرعي والحراسة التي عرفها الإنسان منذ فجر تاريخه.
معظم المعارف الطبية العلاجية التي وضع الإنسان يده عليها منذ القدم كانت نتاج التجربة والتعلم من الخطأ، ففي القدم لم يكن هناك مختبرات ومعامل وتحاليل، وكل ما كان ممكناً هو إجراء تجارب مباشرة على الإنسان المريض إما أن يلقى مصرعه، وإما أن لا يحدث تأثير في حالته، وإما أن يشفى وعندها سيتم حفظ هذا الدواء واستخدامه في الحالات المماثلة.
اليوم، يمكننا أن نرى بعض المجتمعات البدائية التي تعيش في بعض الأجزاء من القارة الإفريقية وأمريكا الجنوبية وقارة آسيا ونحوها، لديها إرثها من الأمصال والأدوية والأعشاب التي توارثتها جيلاً وراء جيل، وثبتت جدواها من خلال الاستخدام طوال عقود وقرون، فهي، كما يقال، نتاج أجيال وأجيال من التجربة والخبرة.
لقد استخدم الإنسان منذ فجر التاريخ كل شيء متاح أمامه للعلاج من النباتات والأشجار وصولاً إلى الحيوانات حيث قام بأخذ قرون الغزلان والثيران ومخالب الحيوانات المفترسة وسحقها لتصبح كالدقيق واستخدمها كدواء، والبعض من هذه الممارسات لم يكتب لها النجاح لأنها كانت نتاج الخرافات والتأثر بالقوى الخارقة التي كان يُؤمن بها.
لكن هناك نجاحات مدوية لمثل تلك التجارب والخبرات لا يمكن تجاوزها، على سبيل المثال اكتشاف أن شجرة السنكونا التي تخرج من لحائها مادة تسمى الكينين، تعالج الملاريا وتساهم في خفض درجة حرارة الجسم وتستخدم حتى هذا اليوم. ولا ننسى بردية ايبرس التي تضم أكثر من 700 دواء بضعها ما زال مستعملاً حتى اليوم، وهذه البردية تعتبر أول ما كتب في التاريخ البشري، ويعود تاريخها إلى نحو 1550 قبل الميلاد، وتوجد حالياً في مكتبة جامعة لايبتزج في ألمانيا.
رحلة الإنسان نحو إيجاد العلاجات للأمراض من أقدم الرحلات وتعد أيضاً من أعظم الجهود التي بذلها للعيش في حياة خالية من ألم المرض والأسقام.

Shaima.author@hotmail.com
www.shaimaalmarzooqi.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى