قضايا ودراسات

الحرب بالأبيض والأسود

يوسف أبو لوز

قيمة الصورة الفوتوغرافية بالأبيض والأسود في النصف الأول من القرن العشرين، وفي الحروب بشكل خاص والمجاعات والأوبئة والكوارث الطبيعية من زلازل وانهيارات جبلية وبراكين، هي أنها قيمة توثيقية أولاً، وثانياً قيمة تاريخية، فالمصوّر الفوتوغرافي شاهد عيان، والصورة شهادة نفي، وشهادة إثبات. وفي الحرب تشكل الصورة شهادة إثبات أكثر من كونها شهادة نفي، إلاّ إذا استعملت الصورة بوصفها مادة سياسية تحاول على نحو لا أخلاقي تكذيب جرائم الحرب التي تصل إلى حدّ الإبادات الجماعية.
يتداعى إليك ذلك، وأنت تراجع معرض صور الحرب العالمية الأولى (28 يوليو 1914 – 11 نوفمبر 1918)، في الموسوعة الحرّة، وإذا عدنا إلى قيمة الفوتوغراف في هذه المراجعة، فإنه من الصواب تماماً أن الصورة الصحفية تعادل ألف كلمة، بل أكثر من ذلك يأخذك الأبيض والأسود إلى الجوّ المأساوي الذي خيّم على أوروبا آنذاك، وعلى جبهات القتال التي شارك فيها أطفال من 12 إلى 16 عاماً، وعندما حاول أحد هؤلاء الأطفال الفرار من إحدى المعارك، حوكم عسرياً بإطلاق النار عليه، وعندما نفّذ به الحكم قال كلمة واحدة:«أمّي».
معرض صور الحرب العالمية ذاكرة سوداء وبيضاء، وكلما عاد الأوروبيون إلى هذا المعرض رأوا بأعينهم كيف التهمت الحرب أكثر من 15 مليوناً من البشر، غير التهام الحجر والشجر.
نشاهد طوابير التجنيد العسكري، في هذا المعرض، وذلك في ملبورن في العام 1914، والغريب في هذه الصورة أن طالب التجنيد كان يأتي إلى المركز العسكري ليسجل أوراقه وهو في كامل قيافته المدنية: طقم كلاسيكي، وقبّعة، وربطة عنق.
الخيول كانت تشارك في الحرب، ويجري إنزالها من على ظهور السفن، ولا تدري أنها ذاهبة إلى حتفها، وفي صورة أخرى فرقة إعدام نمساوية مجرية تعدم مجموعة من الصرب بالبنادق، وتظهر جثث الأرمن التي تعود إلى أوائل القرن العشرين ممددة في العراء تحت الأشجار.
فارس أمريكي يُلْبِس حصانه قناعاً واقياً من الغاز، وبدا الحصان مذعناً منحنياً برأسه على رأس الجندي الفارس الذي يرتدي هو الآخر قناعاً، وكأنك أمام صورة كاريكاتورية سوريالية، أما قطار الذخائر الألماني الذي جرى تدميره بالكامل في العام 1918، فبدا مثل هيكل عظمي ممدد على وجه تراب قاحل.
حتى الحمام الزاجل قد استخدم في الحرب العالمية الأولى حيث تحمل حمامة كاميرا ألمانية مصغّرة، إمّا لجهة التوثيق أو لجهة التجسس.
تحت إحدى الصور جاء الشرح الصحفي التالي: «فقدت الكثير من الأوراق النقدية الألمانية قيمتها، وأخذت تستخدم كورق جدران بسبب كونها أرخص بكثير من ورق الجدران الفعلي».
لا بل مع ذلك استعملت العملة الورقية من فئة مليون مارك ألماني كدفتر ملاحظات، فانظر في الصّور، وانظر في ما شهدت عليه كاميرا الأبيض والأسود.

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى