قضايا ودراسات

وداعاً للمقاييس القديمة

عبداللطيف الزبيدي

كيف سيتعامل الناس مستقبلاً مع كل الذين يستخدمون الأوزان والمكاييل والمقاييس؟ حتى اليوم، حين يعطيك القصاب كج بالضبط، تعاتبه: هل تبيع اللحم بميزان الذهب؟ لكن القول الفصل من الآن فصاعداً للعلم، فيزياء الكمّ بالذات. يعني «باي باي كج»، ستشتري الطماطم غداً بما يحدده ثابت بلانك، وهو أصغر وحدة شغل في الكون كله.
في القرن الثامن عشر، كانت الأوزان والمقاييس أكثر من سبعمئة نوع. من قرية إلى أخرى تختلف المعايير. بعد الثورة الفرنسية حددوا الكج بنموذج من البلاتين، محفوظ في «المكتب العالمي للأوزان والمقاييس» في باريس، حفظاً يجعله في مأمن من كل غوائل الدهر. لكن لأعجوبة ما فقد النموذج من وزنه في قرن خمسين ميكروجراماً (50 جزءاً من المليار من الكج). في ميزان البطاطا والأرز، لن يطرف لك جفن، لكن في مستوى الإلكترونات وتقانة النانو، يصبح الجرام الواحد رقماً نجومياً. كذلك عندما تحسب وزن الشمس، فماذا عن وزن المجرة أو الكون كله؟ عند شراء دولارين أوثلاثة، عُشُر السنت، زائد ناقص، لا شيء، لكن في مستوى الملايين والمليارات تختلف الصورة.
كأنّ فيزياء الكم تريد أن تحدث تحديثاً لمعلومات الدماغ في شأن الأوزان والمقاييس، إن عزّ الاعتراف بأنها عملية ترقية (آبجريدينج) لأدائه. جرام سكّر أو ملليليتر زيت، غير ذي بال، لكن جرام هيدروجين فيه«ستمئة ألف مليار مليار» ذرّة هيدروجين( ستة إلى جانبها 23 صفراً). الأرقام مخيفة، فلو قسمت جرام الهيدروجين على مليار، فإنه سيظل لديك ستمئة ألف مليار ذرّة. المتر أيضاً خضع لمقياس ثابت بلانك. كان يشكل نسبة مليونية من خط الطول في محيط الأرض. فيزياء الكوانتوم تريد«تكوّش على الدنيا» في المعايير، فجعلت طوله المسافة التي يقطعها الضوء في واحد على ثلاثمئة مليون من الثانية، وهذا الرقم الذي ذكرناه تدويريّ غير دقيق، لأن الصحيح بالحروف طوله متر. وهكذا في بقية المقاييس السبعة: أمبير للتيار الكهربائي، الثانية للزمن، الكلفن للحرارة، المول لكمية المادة، الشمعة لشدة الإنارة.
لزوم ما يلزم: النتيجة المنطقية: الكوانتوم تتعامل مع المتناهي الصغر، لهذا قلبت الطاولة على المقاييس. عقبال العرب.

abuzzabaed@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى