قضايا ودراسات

الخطوة الأولى نحو الحرب ضد الصين

جميل مطر

التاريخ يمكن أن يعيد نفسه، أو التاريخ لا يعيد نفسه جدل لا يعنيني الآن. ما يعنيني في هذه اللحظة هو أن كبار القادة السياسيين الذين يحكمون العالم الآن، يحتفلون في هذه اللحظات بذكرى انتهاء أول حرب عظمى في التاريخ الحديث. هم في الواقع يتذكرون أيضاً، ولعله الأهم في هذه المناسبة ويجب تنبيههم إن هم نسوا أو تناسوا، حقيقة أن هذه الحرب العظمى التي يحتفلون بذكرى انتهائها نشبت لسبب عظيم أيضاً، سبب لا يتكرر كثيراً؛ بل هو الأشد ندرة في سجل الأحداث العظمى المتكررة. هذا السبب هو الصدام الحتمي بين قوة صاعدة نحو قمة القيادة الدولية، وقوة لا تزال في القمة آفلة تكون أو قوية وصامدة. نشبت الحرب العالمية الأولى، أو الحرب العظمى كما جاء اسمها في سجل التاريخ، لأن بريطانيا شعرت بالتهديد لزعامتها من جانب ألمانيا أو لأن ألمانيا شعرت بأن الفرصة والظروف سانحة، لتجرب إزاحة بريطانيا العظمى عن موقعها في القيادة الدولية.
تتزاحم تطورات عديدة، تحاول أن تثبت لنا أننا على مشارف مرحلة تاريخية، لن تكون أقل أهمية من المرحلة التي سبقت اشتعال الحرب العظمى الأولى. بالتأكيد أنا لا أعني هنا أننا نقف بالضرورة على أبواب حرب عالمية. إنما أرى سحباً كثيرة، بعضها داكن وأكثرها يحمل نوايا غير طيبة تهدد السلام العالمي. كان الأمل لدى كثيرين، وأنا منهم، على امتداد السنوات الست الأخيرة، أن تستمر الصين تعمل بوصية الرئيس الراحل دينج تشاو بينج، فتصعد بهدوء دون أن تثير الشبهات في نوايا الصين، وتستعجل منافسة هي غير مستعدة لها. كان الأمل كذلك أن تستمر الولايات المتحدة في سياساتها الهادفة إلى إقامة مصالح مشتركة وأنماط من الاعتماد المتبادل بين الدولتين. لم يتحقق هذا الأمل ولا ذاك.
نعيش أجواء حرب. صحيح أنها حرب تجارية ولكنها تظل حالة عداء تمهد – إن تركت تتفاقم – لخلافات وأخطاء وفي أسوأ الاحتمالات، اشتباك مسلح، كما كاد يحدث فعلاً عندما اقتربت قبل أيام قطعتان بحريتان أمريكية وصينية، في مياه دولية الواحدة من الأخرى إلى حد الاشتباه في تهديد مباشر. كثيرون يتوقعون أن تكون منظمة التجارة العالمية أول الضحايا. نعرف أن الرئيس ترامب، يكره الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف ومن بينها أو في صدارتها هذه المنظمة، لأنها مثل غيرها تضع قيوداً على أعضائها ومنهم الولايات المتحدة وتخضعها لجهاز تسوية النزاعات.
أشك كثيراً في أن الحرب التجارية الناشبة الآن يمكن أن تهدأ أو تتوقف في وقت قريب. راح الظن في بداية الأمر يتجه نحو احتمال نجاح المفاوضات الجارية بين الطرفين، يعقب هذا النجاح ارتداد الطرفين إلى مواقعهما الأصلية قبل انعقاد المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني وقبل احتلال الرئيس ترامب منصب الرئاسة. خاب الظن. إذ فوجئنا بسلسلة من الأعمال «العدائية» يتبادلها الطرفان. كان الطرف الأمريكي أكثر وضوحاً وصراحة، وأعتقد أن هدفه كان إثارة الشعور بالكراهية للصين في نفوس الأمريكيين، وهو الأمر الذي أثار الريبة لدى أصدقاء الطرفين وأنصار السلام، خاصة في أوروبا. إثارة الكراهية بشكل ممنهج، يعني في غالب الأمر، نية مبيتة تعد العدة لخطوة تالية تعتمد على ما تحقق من كراهية. هذا الموضوع له أصل في تاريخ كل الحروب وله أصل في تاريخ التدهور المدروس والمنظم للعلاقات بين أمريكا، خاصة والعالم الإسلامي والعربي. ونتائجه ملموسة ومحسوسة في اللحظة الراهنة في مسيرة إقليم الشرق الأوسط وعلاقاته بالغرب.
ما يحدث مع الصين، يذكرنا بما حدث معنا، وإن كان أكثر وأثقل وزناً. بدأ الرئيس ترامب بنفسه، تنفيذ الحلقات الأولى لبث الكراهية، خلال حملة ترشيحه للرئاسة.
من ناحية ثالثة، خرج المسؤولون في وزارة الخارجية وإدارات أخرى إلى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، يحذرون السياسيين فيها من مغبة الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق لما تتضمنه من مخاطر على مستقبل اقتصاد وسيادة هذه الدول، التي سوف تعجز حتماً عن سداد فوائد القروض وأقساطها فينتهي بها الأمر إلى تسليم مقدراتها واستقلال إرادتها إلى الصين.
خلصت حملة الكراهية، إلى رسم صورة للصين تبدو فيها دولة توسعية تهدد أمن دول ومياه جنوب شرق آسيا وتسعى للهيمنة على ثروات دول في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مستخدمة أساليب كانت تستخدمها دول الاستعمار التقليدي والحديث على حد سواء.
هذه الصورة، سيكون من الصعب على أحد محوها أو تحسينها في السنوات القليلة المقبلة، إن دعت الضرورة إلى الاقتراب من الصين سلمياً. نحن يجب ألا نتجاهل حقيقة أن في أمريكا الآن جيلاً جديداً من الدبلوماسيين والعسكريين والباحثين لم يعرف عن الصين جانبها الناعم. لم يعش المرحلة الرومانسية في علاقة بلاده بالصين. كانت الصين بالنسبة للجيل الأقدم من الأمريكيين، دولة بحضارة جذابة وثقافة مشوقة. ولا شك أن كلاًّ من هنري كيسنجر وريتشارد نكسون، بالإضافة إلى عدد غير قليل من الأدباء والأكاديميين، استطاعوا تقديم الصين للشعب الأمريكي؛ بل وللشعوب الغربية عامة في صورة جلبت للشعب الصيني الإعجاب حتى الانبهار. الصورة الجديدة خشنة وعنيفة.
هذه الصورة للصين، دفعت معلقين سياسيين لتوجيه نصيحة للمسؤولين الأمريكيين بالعودة إلى قراءة أوراق جورج كينان، الدبلوماسي والمفكر الذي نبه إلى التهديد الذي يمثله الوجود السوفييتي لسلامة وأمن الغرب، خاصة الولايات المتحدة. بفضل هذا الرجل وبفضل الصورة التي رسمها للاتحاد السوفييتي في حينه، فرضت أمريكا الحصار على الإمبراطورية السوفييتية. بفضلهما معاً نشبت الحرب الباردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى