قضايا ودراسات

مئة عام من غياب الرّشد

كمال بالهادي

أحيا العالم منذ أيام قليلة، ذكرى مرور مئة سنة على نهاية الحرب العالمية الأولى التي قيل عنها إنها ستكون آخر الحروب، وإنها ستنهي كل الصراعات بعد وفاة نحو 16 مليون شخص بين عسكريين ومدنيين، وبعد الخسائر المادية والبشرية الضخمة والأوبئة التي تلت هذه الحرب والتي نتج عنها موت عشرات الملايين من الأبرياء. ويأتي احتفال هذه السنة، تحت شعار «مؤتمر باريس للسلام»، حيث تمّت الدعوة إلى نبذ العنف والهيمنة والشرور والأيديولوجيات التي تتسبب في مثل هكذا حروب. غير أنّ مرور مئة عام على نكبة البشرية الأولى لا يعني أن الإنسانية قد بلغت سنّ الرّشد والنضج والعقلانيّة التي تمنع الانحدار إلى مستنقع الحروب الدموية. فخلال القرن الذي انقضى على نهاية الحرب العظمى، عاشت البشرية فظاعات أكثر قسوة من الحرب الكونية الأولى، بل إنّ «السلام» ظلّ غاية منشودة لن يكون من الممكن إدراكها، ما دامت الأيديولوجيا ونزعات الهيمنة والتحكم في مصير الشعوب هي التي تحكم السياسة الدولية. وبالرغم من أنّ عالمنا اليوم هو أكثر تواصلاً وأكثر قابلية للتفاهم ونبذ العنف، إلا أنّه لا شيء يحمي الإنسانية من تكرار تلك الحروب العالمية المدمّرة.. بعد عقدين من الزمن من نهاية الحرب الأولى، اندلعت حرب كونية ثانية، تسببت في مقتل عشرات الملايين من الجنود ومن المدنيين، وفي تدمير الاقتصاد العالمي، ولم تنته إلا باستعمال السلاح النووي للمرة الأولى، عندما قصفت الولايات المتحدة اليابان بالقنابل الفتاكة، التي ما زالت جراحها لم تندمل. وبعدها عاش العالم ما سمّي بالحرب الباردة، التي جعلت العالم يقف على شفا الهاوية في أكثر من مرة، وجعلت مصير شعوب العالم رهين الزّرّ الأحمر في موسكو أو في واشنطن، وما كان ذلك ببعيد. وحتى بزوال سبب تلك الحرب الباردة، لم تنتف أسباب الحروب ونزعات الهيمنة، فللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عشنا تجربة الاحتلال والاستعمار، عندما قامت الولايات المتحدة باحتلال العراق، وأعادت للأذهان فكرة أن الاستعمار التقليدي والاحتلال المباشر، لأراضي دول منضوية ضمن الأمم المتحدة، لم يكن مجرّد ظاهرة تاريخية انتهت بتأسيس المنظمة الدولية التي تحافظ على سيادة الشعوب وتحفظ حقها في تقرير المصير. بل إنّ ما حدث في العام 2003، يجعلنا نقرّ أن السلام ما زال بعيداً وأنّ سيادة القانون الدولي وقيم المساواة بين الشعوب، ليست سوى ورقات توت تتخفى وراءها نزعات الهيمنة والعنف.
الثابت أن مرور مئة سنة على نهاية الحرب العظمى الأولى، لا يعني أنّ دول العالم ستستفيد من دروس الماضي ومن محنه. بل إنّ الحروب تتخذ اليوم أشكالاً جديدة، تتناسق وعصر الثورة التكنولوجية. إذ يجري اليوم حديث عن عسكرة الفضاء، بعد إعلان الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، عن تأسيس القوة الفضائية، وهي القوة السادسة في الجيش الأمريكي، وستكون مهمتها قيادة سباق تسلح فضائي منافس لروسيا والصين اللتين، قطعتا خطوات في هذا المجال، وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنّ من سيسيطر على الفضاء سيتمكن من السيطرة على الأرض مستقبلاً، وهذا يشي بأن العالم مقبل على حرب نجوم حقيقية وليست مجرّد تمثيل سينمائي.
إن عالمنا اليوم لم يبلغ سن الرشد بعد، وإنّ المآسي والحروب، هي دائماً على مرمى حجر منّا، وهذا ما يزيد في التخوّف من المستقبل. ففي الوقت الذي يعيش فيه هذا الكون مخاطر مناخية حقيقية على خلفية تزايد النشاطات البشرية الملوثة للهواء وللمياه وللتربة، ترفض القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، الاحتكام إلى العقلانية في ممارستها تجاه حقوق الأجيال القادمة، وكان انسحابها من مؤتمر باريس للمناخ وعدم حضور الرئيس الأمريكي منتدى حوارياً حول السلام في باريس نفسها يوم إحياء الذكرى المئوية لنهاية الحرب العالمية الثانية وتفضيله التوجه إلى مقبرة دفن فيها جنود أمريكيون، فيه أكثر من مغزى، وله أكثر من مقصد.

belhedi18@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى