قضايا ودراسات

اللا دولة

د. حسن مدن

صدرت الترجمة العربية لكتاب «مجتمع اللا دولة» لمؤلفه بيار كلاستر أول مرة في العام 1981، وبعد عام صدرت طبعة أخرى. الطبعة الثالثة صدرت بعد عشرة أعوام، في 1991.
طالعتُ الكتاب قبل نحو عشرين عاماً. كان شائقاً أن نتعرف إلى المجتمعات السابقة لقيام الدولة، لا لأن الحياة فيها كانت شائقة، وإنما لنتعرف إلى الأهمية التاريخية الفاصلة لقيام الدولة، التي مهما قيل عن كونها أداة بيد الأقوياء، تظل منجزاً مهماً في تطور حضارة الإنسان وفي تنظيم المجتمعات وإدارتها.
لا يصح تقديس الدولة في المطلق. هناك الدولة الاستبدادية والديكتاتورية والتسلطية.. الخ، التي تقيم سلطتها على الرعية بالقمع والرعب، لكن هذا لا يعني أن الخطأ يكمن في فكرة الدولة نفسها، فالأمر يتوقف على من يدير هذه الدولة، كما يتوقف على مدى استعداد المجتمع عامة لفرض الدولة التي تدير الأمور بقوة القانون لا بمنطق القوة.
حسب المؤلف، فإن المجتمعات البدائية هي «مجتمعات دون دولة». كان ينقصها شيء هام هو الدولة، لذا فإنها مجتمعات غير تامة، غير مكتملة، فهي تستمر في معاناة التجربة لغياب الدولة وهي تحاول تجاوز هذا الغياب، فالدولة في نهاية المطاف هي قدر أي مجتمع يريد أن يتطور.
عدتُ إلى هذا الكتاب مؤخراً، لأطالعه هذه المرة برؤية مختلفة، فبعد الذي جرى ويجري في بلداننا العربية، بتنا شهوداً على انهيار الدولة الوطنية في عدة بلدان دفعة واحدة، لا في بلد واحد فقط. حين تداولت الأدبيات السياسية قبل سنوات مصطلح «الصوملة»، المشتق من اسم البلد العربي: الصومال الذي انهارت فيه الدولة، كان المراد التحذير من أن هذا السيناريو قد يطال بلداناً عربية أخرى، إن لم يجر الاتعاظ مما حدث هناك.
لم يؤخذ التحذير هذا على محمل الجد.
الحق أن هناك استدراكين لا بد من ذكرهما: يتصل الأول بدور القوى الخارجية في الدفع بهذا السيناريو البغيض. انهارت الدولة العراقية تحت ضغط الاحتلال الأمريكي، وانهارت ليبيا ككيان موحد تحت ضغط التدخل العسكري لحلف «الناتو»، وانهارت الحكومة المركزية في صنعاء بسبب الانقلاب الحوثي، وما زالت سوريا تواجه تداعيات محاولة تقسيمها وإسقاط حكومتها المركزية تحت تأثير التدخلات الإقليمية، وما هو أبعد من الإقليم.
الاستدراك الثاني يتصل بمسؤولية الدولة العربية نفسها عن تصدعها. كانت هذه الدولة بدورها رغم تشكلها ناقصة، وأخفقت في تأمين ما يلزمها من شرعية القانون. في النتيجة عدنا إلى حال اللا دولة.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى